
بقلم لبنى يونس
تخيّل نفسك في قلب صحراء واسعة قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام. القافلة تسير ببطء، والجِمال محمّلة بالحرير الصيني والتوابل الهندية والذهب الأفريقي. أمامك ليبيا، لا بوابة للعبور فقط، بل نقطة ارتكاز حضارية في شبكة تجارية ربطت العالم من أقصاه إلى أقصاه.
كثيرون يسمعون اليوم عن مبادرة الحزام والطريق الصينية ويتصوّرون أن بكين تبتكر شيئاً جديداً من العدم. لكن الحقيقة أن الصين لم تخترع هذا الطريق، بل أعادت إحياء ذاكرة حضارية مشتركة كانت فيها أفريقيا شريكاً أصيلاً، لا هامشاً على الخريطة.
في القرن الثالث قبل الميلاد، حين كانت الإمبراطورية الصينية تنسج أجود أنواع الحرير، كانت القوافل التجارية تشق طريقها غرباً عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط، لتصل آثارها التجارية والحضارية إلى مناطق واسعة من العالم القديم، بما في ذلك شمال أفريقيا. وكانت الأراضي الليبية جزءاً من فضاء التبادل الذي التقت فيه البضائع القادمة من الشرق بتجار البحر الأبيض المتوسط.
ولم يكن طريق الحرير مجرد مسار تجاري، بل كان شرياناً حضارياً نقل الأفكار والأديان والفنون والعلوم. عبره انتقلت تقنيات صناعة الورق إلى العالم الإسلامي، وعبره انتشرت معارف الرياضيات والفلك، وعبره تشكّلت ملامح من الهوية الحضارية المشتركة التي ربطت الشرق بالغرب عبر قرون طويلة.
وما لا يُقال كثيراً في النقاشات المعاصرة هو أن العلاقة الصينية الأفريقية لها جذور تاريخية تسبق الاتفاقيات والمنتديات الحديثة بقرون طويلة. ففي القرن الخامس عشر الميلادي، أبحر الأدميرال الصيني الشهير تشنغ خه بأسطوله العملاق وصولاً إلى السواحل الشرقية لأفريقيا، تاركاً وراءه سجلاً من التبادل التجاري والدبلوماسي والتواصل الحضاري.
وهنا تكمن إحدى المحطات المهمة في تاريخ العلاقات بين الجانبين. فهذه الرحلات تختلف عن النمط الاستعماري الذي عرفته أفريقيا خلال القرون اللاحقة، إذ ارتبطت أساساً بالتبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية والتواصل بين الشعوب.
وللتوثيق، أبحر تشنغ خه في سبع رحلات كبرى بين عامي 1405 و1433م، بأسطول ضم أكثر من 300 سفينة ونحو 28 ألف بحار، ولم تُسجّل المصادر التاريخية المعروفة إقامة مستعمرات صينية أو فرض سيطرة سياسية على الأراضي التي زارها خلال تلك الرحلات.
ولم تكن ليبيا يوماً بلداً هامشياً في هذه المعادلة. فموقعها الجغرافي الفريد، عند تقاطع الصحراء الكبرى والبحر المتوسط، جعلها همزة وصل طبيعية بين أفريقيا جنوب الصحراء والعالم المتوسطي. وكانت قوافل الذهب والعاج والملح تشق طريقها شمالاً عبر الأراضي الليبية لتلتقي بتجار البحر القادمين من مختلف الاتجاهات. ومن هنا اكتسبت ليبيا أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، باعتبارها نقطة التقاء بين مسارات التجارة والحضارات.
هذا الدور التاريخي لم ينتهِ، بل تعرّض للتراجع بفعل التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم. واليوم، حين تتحدث مبادرة الحزام والطريق عن إعادة رسم خرائط الاتصال والتجارة العالمية، تجد ليبيا نفسها مرة أخرى حاضرة في الحسابات الجيوسياسية بحكم موقعها ومقدراتها.
ولأن الرواية تُصنع من التاريخ، فإن فهم الماضي يساعدنا على قراءة الحاضر بصورة أكثر توازناً. فحين يسمع الليبي أو الأفريقي عبارة “مبادرة الحزام والطريق”، قد يتبادر إلى ذهنه أنها مشروع صيني معاصر لا يمت بصلة إلى تاريخ المنطقة. لكن العودة إلى مسارات التبادل القديمة تكشف أن أفريقيا لم تكن مجرد متلقٍ للأحداث، بل كانت جزءاً من شبكة عالمية أسهمت في صناعة التاريخ التجاري والحضاري للعالم.
وحين ندرك أن أجدادنا كانوا جزءاً من تلك الشبكات، تتغيّر زاوية النظر من مراقبة مشروع خارجي إلى فهم أعمق لدور جغرافي وتاريخي يمكن استعادته وتطويره. فالشراكات الحقيقية لا تُبنى على الإقناع اللحظي، بل على المصالح المشتركة والذاكرة التاريخية المتبادلة.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه الليبيون اليوم ليس لماذا تهتم الصين بنا؟
بل: كيف نستعيد الدور الذي منحته لنا الجغرافيا، ورسّخه التاريخ عبر قرون طويلة؟
الحلقة القادمة:- لماذا أعادت الصين رسم خريطة العالم؟ الرؤية الاستراتيجية الكاملة لمبادرة الحزام والطريق.

