
25 اكتوبر
بقلم لبنى يونس
في مدينة شيونغآن الجديدة شمالي الصين، حيث تُبنى المدن على أرضٍ كانت بالأمس بياضًا على الخريطة، اجتمع نحو أربعمئة مندوب من أكثر من تسعين دولة ومنظمة دولية وإقليمية، من بينها الأمم المتحدة، تحت عنوان يشبه الاعتراف أكثر مما يشبه الشعار (إعادة بناء الثقة والتعاون). لم يكن عنوانًا عابرًا، فالثقة لا يُعاد بناؤها إلا حين تنهار، وانهيارها هو ما يعيشه العالم اليوم. وقد قال الرئيس شي جين بينغ في رسالته إلى المنتدى إن أوجه العجز في السلام والتنمية والأمن والحوكمة تتزايد بدلًا من أن تتراجع، وهو توصيف لا يحتاج القارئ الأفريقي إلى برهان عليه، فقد عاش فصوله قبل أن تُكتب في البيانات.
بعد عام على طرح مبادرة الحوكمة العالمية، يقف وزير الخارجية الصيني وانغ يي ليقول إنها تزداد أهمية، ويدعو إلى تحويل رؤيتها إلى واقع. والمبادرة ليست بيانَ نوايا يُطوى في أدراج الدبلوماسية، بل تصوّر لنظام دولي أكثر عدلًا وإنصافًا، يتمسك بالدور المركزي للأمم المتحدة، ويعزز قدرة مجلس الأمن على الإستجابة السريعة، ويصغي إلى الشواغل المشروعة للدول النامية. وفي هذه العبارة الأخيرة تحديدًا، يجد الأفريقي نفسه في صلب النص لا في هامشه.
وأفريقيا تعرف معنى الهامش. تعرف كيف تُرسم الحدود بمسطرة في قاعة بعيدة لم يجلس فيها أصحاب الأرض، وكيف تُسمّى القارة (قارة المستقبل) في الخطب بينما تبقى في الحاضر خارج الأبواب التي تُتخذ خلفها القرارات. أربعة وخمسون بلدًا أفريقيًا تجلس في الجمعية العامة، ولا مقعد دائمًا لقارتها في مجلس الأمن الذي يقرر في شؤونها. هذا هو الشرخ الذي تتحدث عنه المبادرة حين تدعو إلى زيادة تمثيل الدول النامية، وإلى تعزيز صوت الجنوب العالمي، وإلى إصلاح النظام المالي الدولي وفق جدول زمني وخارطة طريق يتفق عليها الجميع، لا يُمليها طرف واحد.
ولماذا الصين؟ لأن الدعوة إلى العدالة لا تكتسب مصداقيتها من فصاحة قائلها، بل من سيرته. والصين لم تخرج إلى العالم من رفاهٍ موروث، بل من تاريخ مثقل بالإنكسار، وتعلمت منه أن الأمم لا تنهض بالشكوى ولا بالتعويل على حماية الآخرين، بل بالعودة إلى الذات، أن تقرأ تاريخها بعين التلميذ لا بعين النادب، وأن تبني اقتصادها بيدها، وأن تمسك بقرارها على أرضها، فلا يُكتب مصيرها في عاصمة أخرى. هذه هي السيادة الحقيقية، لا أن ترفع الدولة علمها فحسب، بل أن تملك ما يجعل العلم يعني شيئًا. وحين تتحدث دولة بهذه التجربة عن (المساواة والمصداقية والمبادئ الأخلاقية والتعاون) بوصفها واجب الكبار قبل الصغار، فإنها تتحدث بلسان من دفع ثمن غيابها.
وليست الدعوة إلى أفريقيا أن تتبع، بل أن تشارك. فالمبادرة، كما أرادها صاحبها، قائمة على التشاور المكثف والإسهام المشترك والمنافع المتبادلة، أي أنها بيت يُبنى بأيدي ساكنيه لا عمارة تُسلَّم مفاتيحها. وهذا الفرق هو كل الفرق بين من يستضيف القارة ومن يشاركها. فقد جرّبت أفريقيا طويلًا أن تكون موضوعًا في أجندات الآخرين، وآن لها أن تكون فاعلًا في صياغة الأجندة, في حوكمة الذكاء الإصطناعي قبل أن تُحسم قواعده بغيابها، وفي التجارة متعددة الأطراف التي تحمي الصغير من ابتلاع الكبير، وفي خطة التنمية المستدامة لعام 2030 التي لا تنجح إلا إذا بقيت التنمية في صميم الأجندة الدولية لا على أطرافها، وفي البحار العميقة والفضاء والمناطق القطبية، تلك الميادين الجديدة التي يمكن أن تكون ساحات تعاون، أو غنائم جديدة لمن سبق.
إن الأمم المتحدة ليست خصمًا يُهدم، بل جدارًا تصدّع فيحتاج إلى ترميم، ولا يرمّم الجدارَ من يقف خارجه ينتظر. والترميم لا يكون بتجاهل الأساس، بل بإعادة الإعتبار لميثاقه الأول, السيادة المتساوية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، والأمن المشترك الشامل المستدام. وهنا تتلاقى حاجة القارة مع عرض الصين قارة تملك الأرض والشباب والموارد والذاكرة، وشريك يملك التجربة والتصنيع والرؤية، وكلاهما يدرك أن العالم القادم سيُرسم بمن يحضر لا بمن يُدعى إلى الصور التذكارية.
فلتكن شيونغآن، المدينة التي وُلدت من فكرة، رسالةً إلى كل عاصمة أفريقية, أن التحول لا يبدأ بأنتظار إذن، وأن النهضة ليست هبة تُمنح بل قرار يُتخذ. وإن كان العالم يبحث اليوم عن نقطة تحول، فهي هنا؛ في أن تقف أفريقيا إلى جانب دولة تعلّمت من تاريخها لتنهض، وتشاركها بناء نظام لا يُعيد إنتاج الأمس. فمن يضع حجرًا في جدار العدالة اليوم، لن يُسأل غدًا، أين كنتَ حين كان العالم يُعاد بناؤه؟


