هانغتشو تكتب دستور التجارة القادمة من الحرير إلى الخوارزميات

الصين -هانغتشو
24 سبتمبر 2026
بقلم لبنى يونس
في هانغتشو، المدينة التي احتضنت يومًا ميناء طريق الحرير القديم وأصبحت اليوم عاصمة عملاق التجارة الإلكترونية ( علي بابا), لم يكن اختيار هذه المدينة مقرًا للدورة الخامسة من معرض التجارة الرقمية العالمي مجرد صدفة جغرافية، بل استمرارية رمزية لدور لطالما لعبته الصين كنقطة وصل بين الشرق والغرب، وإن كانت اليوم شرايين التبادل من حرير وتوابل قد استُبدلت بخوارزميات وأنظمة ذكاء اصطناعي. تحت شعار (لقاء مستقبل الذكاء الإصطناعي)، جمع المعرض هذا العام أكثر من ألفي شركة عارضة، بينها قرابة ألف شركة متخصصة في الذكاء الإصطناعي وحده، واستقطب أكثر من خمسين ألف مشترٍ محترف من مائة وثلاث وستين دولة ومنطقة حول العالم، بنوايا شراء مسبقة تجاوزت المليار دولار. أرقام قد تبدو للوهلة الأولى إحصائية جافة، لكنها في جوهرها ترسم ملامح ثورة صناعية رابعة تتشكل أمام أعيننا، لا في المختبرات وحدها، بل في أروقة التجارة والإستثمار المباشر.
فما شهدته أثناء تجوالي بين الأجنحة ، من طريق الحرير الإلكتروني إلى الذكاء المكاني، مرورًا بجناح الرعاية الصحية الرقمية الذي يعرض روبوتات جراحية وواجهات دماغيةحاسوبية، لم يكن معرضًا تجاريًا تقليديًا بقدر ما كان استعراضًا لعالم يعاد تشكيله بالكامل. فحين تُعرض أنظمة حوسبة كمومية بالذرات المحايدة للمرة الأولى عالميًا، وحين تتحول التجارة الخارجية إلى نموذج (النموذج كخدمة) بدل السلعة التقليدية، فإننا لسنا أمام تحديث تقني هامشي، بل أمام إعادة تعريف لمفهوم التجارة الدولية ذاته، من تبادل السلع إلى تبادل القدرة الحاسوبية والمعرفة المؤتمتة.
ولعل أبلغ ما في هذه الدورة هو الرسالة السياسية التي حملتها كلمة رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ في مراسم الإفتتاح، حين أكد أن كل ابتكار تكنولوجي كبير في التاريخ أدى إلى قيام عالم أكثر انفتاحًا، وأن اتجاه العولمة الإقتصادية لا يمكن وقفه في ظل تسارع الرقمنة. وحين شدد على أن انعدام الثقة المتبادل ونهج إفقار الجار لن يصمدا أمام اختبار الزمن، بينما الثقة المتبادلة والمنفعة المشتركة والتعاون المنفتح هي وحدها الكفيلة ببناء مستقبل مشترك، فإنه لم يكن يخاطب الحضور فحسب، بل كان يرسل إشارة واضحة إلى عالم يتجه بعضه نحو الإنغلاق التقني ،الصين تختار مسارًا مغايرًا، مسار الإنفتاح المتدرج المدروس، لا الإنعزال دفاعًا عن الريادة.
هذه الرسالة لم تبقَ في إطار الخطاب فحسب، بل تُرجمت إلى خطوة مؤسسية ملموسة تعني العالم العربي تحديدًا افتتاح المقر الصيني للإتحاد العربي للإقتصاد الرقمي على هامش المعرض، وانطلاق الجولة الأولى من الحوار الصيني العربي حول التعاون الرقمي تحت عنوان (التعاون الدولي في الذكاء الإصطناعي). هنا يكمن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في عالمنا العربي ،هل نحن مستعدون لنكون شركاء فاعلين في صياغة قواعد هذا الإقتصاد الرقمي الناشئ؟، أم سنكتفي، كما جرت العادة في موجات تقنية سابقة، بموقع المستهلك المتأخر الذي يستورد الحلول الجاهزة دون أن يشارك في تصميمها؟ فحين يدعو رئيس مجلس الدولة الصيني إلى تعزيز التعاون بين بلدان الشمال والجنوب، وتقديم دعم أكبر للدول النامية في التكنولوجيا والبنية التحتية وتأهيل الكوادر، فإن الباب مفتوح فعليًا، لكن من يعبره هم من يملكون رؤية واضحة ومشروعًا وطنيًا أو إقليميًا جاهزًا للتفاعل معه، لا من ينتظر أن تُصاغ له الفرصة جاهزة.
إن ليبيا، بموقعها الجغرافي الفريد بين إفريقيا وأوروبا وحوض المتوسط، وبما يجمعها من علاقات ممتدة مع الصين، مؤهلة لأن تكون حلقة وصل إقليمية في هذا المسار، شريطة أن تنتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، وأن تستثمر في بناء كوادرها الرقمية بقدر ما تستثمر في متابعة هذه المعارض والمؤتمرات. فالثورة الرقمية التي شهدت هانغتشو إحدى أبرز محطاتها هذا الأسبوع لن تنتظر أحدًا، وقطار التحول نحو اقتصاد قائم على الذكاء الإصطناعي والبيانات يمضي بسرعة لا تراعي من يتأخر في الصعود إليه. والرسالة التي أراد المعرض إيصالها للعالم، بكل وضوح، هي أن مستقبل التجارة لن يُكتب بلغة الجمارك والحدود وحدها، بل بلغة الخوارزميات والثقة المتبادلة، ومن لا يتعلم هذه اللغة اليوم، سيجد نفسه غدًا يقرأ نتائجها من الهامش لا من المتن.



