دوليسياسةغير مصنفليبيا

مواصلة توطيد الصداقة التقليدية بين الصين وليبيا وفتح آفاق جديدة للتعاون الثنائي

 

9 أبريل 2026

بقلم

سعادة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة ليبيا السيد ما شيوي ليانغ

أولا وقبل كل شيء، أتقدم نيابة عن سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة ليبيا بالتحيات الصادقة إلى الأصدقاء الليبيين من الأوساط المختلفة، متمنيا لليبيا استتباب السلام والاستقرار في وقت مبكر وللشعب الليبي السعادة والرخاء!

أشعر بالفخر والاعتزاز بما يجمع الصين وليبيا من الصداقة والتعاون عند الحديث عن العلاقات الثنائية. إنّ الصين وليبيا أخوانِ مخلصان يتميزان بالثقة المتبادلة. وتعود جذور الصداقة بين البلدين إلى عمق التاريخ. وظلت العلاقات الثنائية راسخة مع مرور الزمن، وتتقدم بخطوات متزنة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1978، رغم أنّ التغيرات طرأت على الأوضاع في ليبيا والمنطقة والعالم. وظل الجانبان يتبادلان الدعم والتأييد في القضايا التي تخص المصالح الجوهرية والمشاغل الكبرى للجانب الآخر، حيث تلتزم ليبيا التزاما ثابتا بمبدأ الصين الواحدة، بينما تدعم الصين بحزم صيانة سيادة ليبيا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وتدعم إيجاد حل سياسي للملف الليبي. قام كل من السيد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والسيد عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية بزيارة إلى الصين عام 2024، حيث توصلا إلى التوافقات المهمة مع القيادة الصينية حول تطوير العلاقات الثنائية، واتفق الجانبان الصيني والليبي على الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية.

إنّ الصين وليبيا صديقان وفيّان يتبادلان الدعم في السراء والضراء. ظلت الصين تدعم بثبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا. اضطر عدد كبير من الشركات الصينية إلى الانسحاب المؤقت نتيجة الأحداث عام 2011، الأمر الذي يكبدها خسائر فادحة. غير أنّ الصين تتمسك بمفهوم “الإخلاص والصدق والمصداقية و الألفة” في تطوير علاقاتها مع ليبيا، وتتضامن مع الشعب الليبي لتجاوز الأزمات والصعوبات. وتمد الصين دائما يد العون لليبيا وتقدم ما في وسعها من المساعدة سواء أ كان خلال فترة الجائحة أو بعد العاصفة التي اجتاحت مدينة درنة. في الوقت الراهن، يسعى الشعب الليبي إلى استكشاف طريق تنموي يتماشى مع ظروفها الوطنية، وتستعد الصين للمساهمة في تدعيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا.

إنّ الصين وليبيا شريكان متميزان في التبادل والتعاون. وتعد الصين شريكا تجاريا رئيسيا لليبيا. كما تعمل الصين بنشاط مع ليبيا على تطوير التعاون في تنمية الموارد البشرية، حيث تنظم دورات تدريبية لليبيا في مجالات الدبلوماسية والثقافة والإعلام والطب والتحول الرقمي والمجالات الأخرى، الأمر الذي يساعد ليبيا على إعداد الأكفاء في مختلف المجالات. في نوفمبر عام 2025 استأنفت سفارة الصين لدى ليبيا عملها من طرابلس. وفي فبراير العام الحالي، عاد سفير الصين لدى ليبيا إلى طرابلس بعد 8 سنوات من الغياب، مما يدشن مرحلة جديدة لتطور الشراكة الإستراتيجية بين الصين وليبيا. وستعمل سفارة الصين لدى ليبيا على دفع التعاون الثنائي بخطوات متزنة ومنتظمة لمواصلة توطيد الصداقة التقليدية بين شعبي البلدين.

أولا، تكثيف التواصل على كافة المستويات. نشجع على تنشيط التبادلات والزيارات بين الشخصيات السياسية والمؤسسات الفكرية والشباب لدى البلدين لتعزيز التعارف والصداقة بين الجانبين. وقبل أيام ، قام رئيس اللجنة العليا للإشراف على التعاون الليبي-الصيني الدكتور عبدالمجيد عبدالكريم بزيارة ناجحة إلى الصين، حيث بعث عزيمة ليبيا الراسخة وتفاؤلها القوي للتعاون الودي مع الصين. ثانيا، تعميق التعاون العملي في مجالات الاقتصاد والتجارة وغيرها. تتمتع ليبيا بالمزايا البارزة في الموقع الجغرافي والطاقة والموارد، ولديها إمكانيات تنموية كبيرة. أما الصين فهي تتميز بسوق فائقة الضخامة ومنظومة صناعية متكاملة بكونها ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فيتميز التعاون بين البلدين بإمكانيات تكاملية قوية وآفاق واعدة. وتستعد الصين للعمل مع ليبيا على تهيئة الظروف الملائمة لدفع التعاون الودي والعملي بين البلدين في مختلف المجالات بشكل مستقر ومنتظم. ولذلك، سنمضي القدم في تسهيل تنقل الأفراد بين البلدين وتقديم خدمات التأشيرات للمواطنين الليبيين الراغبين في زيارة الصين من طرابلس في أقرب وقت ممكن. ثالثا، تعزيز التعلم المتبادل والاستفادة المتبادلة في مجال الحضارة. تتمتع كل من الصين وليبيا بتاريخ عريق وحضارة زاهرة، ومن الأهمية بمكان تدعيم التبادل الثقافي بين البلدين وتعزيز التعلم المتبادل والاستفادة المتبادلة بين الجانبين من خلال معارض الآثار والتبادل الأكاديمي والزيارات المتبادلة بين وسائل الإعلام وغيرها من الطرق.

في مارس عام 2013، طرح فخامة الرئيس شي جينبينغ رئيس جمهورية الصين الشعبية مفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”، مشيرا إلى أنّ البشرية تعيش في قرية كونية واحدة، وفي نفس الزمان والمكان حيث يلتقي التاريخ بالواقع، وأصبحت على نحو متزايد مجتمع المستقبل المشترك تتداخل فيه المصالح بحيث يكون كل منا جزءا من الآخر. وتعمل الصين على بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وتدعو إلى التعددية القطبية العالمية المتصفة بالمساواة والانتظام والعولمة الاقتصادية المتسمة بالمنفعة العامة والشمول، ذلك من أجل بناء عالم يسوده السلام الدائم والأمن العالمي والرخاء المشترك والانفتاح والتسامح والتنمية المستدامة. لتهدئة الوضع في إيران، طرح وزير الخارجية الصيني السيد وانغ يي خمس مبادئ أساسية للتعامل المناسب مع ملف إيران والنزاعات في الشرق الأوسط، وهي احترام سيادة الدول والامتناع عن استخدام القوة بشكل تعسفي والتمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وحل القضايا الساخنة سياسيا ولعب الدول الكبرى دوارا بناء. طرحت الصين وباكستان مبادرة من خمس نقاط لاستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهي: الوقف الفوري للأعمال العدائية، وبدء مفاوضات السلام في أقرب وقت ممكن، وضمان سلامة الأهداف غير العسكرية، وضمان أمن الممرات الملاحية، وضمان المكانة الأساسية لميثاق الأمم المتحدة. ومنذ اندلاع الصراع، كثف الجانب الصيني وساطته الدبلوماسية، حيث أجرى وزير الخارجية الصيني السيد وانغ يي 26 اتصالا هاتفيا مع مختلف الأطراف بما في ذلك إيران وإسرائيل وروسيا ودول الخليج. كما قام المبعوث الخاص للحكومة الصينية لشؤون الشرق الأوسط تشاي جيون، بالزيارات المكوكية إلى دول المنطقة، لعب الجانب الصيني دورا بناء في دفع وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال القتالية وخفض التصعيد وتهدئة الأوضاع. إن الصين باعتبارها صديقا مخلصا وشريكا استراتيجيا لدول المنطقة مستعدة للعمل مع ليبيا والدول الأخرى على تنفيذ مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية في سعيها إلى إعادة النظام للشرق الأوسط والأمن للشعوب والسلام للعالم.

يصادف هذا العام انطلاقا للخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية في الصين. وتوضّح هذه الخطة الاتجاه والأهداف للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الصينية في السنوات الـ5 المقبلة، مما يضع أساسا أكثر متانة لتحقيق التحديث الاشتراكي بشكل أساسي بحلول عام 2035. كما تعتبر هذه الخطة “خطوط عريضة” لدفع بناء التحديث الصيني النمط، و”دعوة مفتوحة” لدول العالم للتشارك في بناء التحديث المشترك. تلتزم الصين بالتنمية العالية الجودة وتوسيع الانفتاح العالي المستوى على الخارج وتسريع الاعتماد على النفس وتقوية الذات في مجال العلوم والتكنولوجيا، في سعيها لترسيخ مكانتها كـ”مصنع العالم” و”سوق العالم”. وتعمل الصين على تنمية القوى الإنتاجية الحديثة النوعية، بما سيضفي ديناميكية جديدة ومستقرة وقابلة للتنبؤ للاقتصاد العالمي، ويتيح مزيدا من فرص التعاون لليبيا والدول الأخرى في العالم.

إن ليبيا دولة عربية وأفريقية في آن واحد، مما يمكنها توظيف هذه الميزة للمشاركة الفعالة في الفعاليات المتنوعة للتعاون والتبادل في إطار منتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي، بما يسهم في دفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. في الوقت الراهن، تم إنشاء 19 آلية في إطار منتدى التعاون الصيني العربي، من بينها الاجتماع الوزاري واجتماع كبار المسؤولين ومؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية والمنتدى الصيني العربي للإصلاح والتنمية، الأمر الذي يسهم إسماما كبيرا في دفع التعاون بين الصين والدول العربية بشكل عام وبين الصين وليبيا بشكل خاص. ويصادف هذا العام الذكرى الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وأفريقيا. وظل الجانبان يتقاسمان السراء والضراء لتجاوز الصعوبات. وتستعد الصين للعمل مع ليبيا والدول الافريقية الأخرى على مواصلة الصداقة التقليدية، وتعميق التعاون المتبادل المنفعة وتعزيز التعارف والتقارب لكتابة سجل جديد لمجتمع المستقبل المشترك بين الصين والدول الأفريقية وبين الصين وليبيا. أعلن فخامة الرئيس شي جينبينغ رئيس جمهورية الصين الشعبية مؤخرا أنّ الصين ستعفي ليبيا وغيرها من الدول الأفريقية التي تقيم العلاقات الدبلوماسية معها الرسوم الجمركية على صادراتها إلى الصين اعتبارا من 1 مايو 2026، هذا خير دليل على عزم الصين على توسيع الانفتاح، كما يتيح فرصة سانحة لدخول المنتجات الليبية العالية الجودة إلى سوق الصين، ويعكس بجلاء على جهود الصين لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية في مجال الاقتصاد. ويصادف هذا العام “عام التبادل الإنساني والثقافي بين الصين وأفريقيا”، حيث تنظم الصين سلسلة من الفعاليات مثل المهرجان الثقافي للشباب الصينيين الأفارقة، والدورة الخامسة لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والأفريقية، وبرنامج زيارة الصين للأصدقاء الأفارقة في مجالي الحد من الفقر ونهوض الأرياف، بما يسهم في تعزيز التعارف المتبادل بين الصين وليبيا، وتوطيد التعاون بين البلدين في مجالات الثقافة والتعليم والمجالات الأخرى، ودفع الصداقة بين الشعبين إلى آفاق أرحب.

يشرفني أن أتولى مهام السفير العاشر لجمهورية الصين الشعبية لدى دولة ليبيا. وتستعد سفارة الصين لدى ليبيا لتعزيز التواصل والتبادل مع الأصدقاء من مختلف الأوساط الليبية، ودفع التعاون بين البلدين في شتى المجالات إلى الأمام بخطوات متزنة ومستدامة، بما يعود بالنفع على الشعبين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى