
ليبيا -طرابلس
مايو 2026
بقلم لبنى يونس
تخيّل أن جارك يملك متجراً يرتاده مليار وأربعمائة مليون زبون يومياً. منذ سنوات وأنت تحاول أن تضع بضاعتك على رفوفه، لكن ثمة ضريبة مدفوعة عند الباب تجعل بضاعتك أغلى وأقل تنافسية. ثم في يوم واحد، يُزيل جارك ذلك الباب كلياً ويقول: ادخل بضاعتك مجاناً بلا شروط.
هذا بالضبط ما فعلته الصين في الأول من مايو 2026.
في خطوة وصفها المراقبون الدوليون بالتاريخية، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطابه أمام الاتحاد الأفريقي خلال القمة التاسعة والثلاثين بأديس أبابا في فبراير 2026 عن إلغاء شامل لجميع الرسوم الجمركية على واردات الصين من 53 دولة أفريقية ترتبط بها بعلاقات دبلوماسية، وليبيا في مقدمتها. دخل القرار حيز التنفيذ رسمياً في الأول من مايو 2026، وفي ساعات الفجر الأولى من ذلك اليوم كانت 24 طناً من تفاح جنوب أفريقيا تُخلَّص جمركياً في شنتشن لتكون أول شحنة أفريقية تدخل السوق الصيني بلا رسوم، في مشهد بسيط يختزل تحولاً عميقاً في خريطة التجارة العالمية.
الأرقام تتكلم بوضوح لا يحتمل التأويل. بلغ حجم التبادل التجاري الصيني الأفريقي 348 مليار دولار في عام 2025 وحده، وهو رقم قياسي تاريخي لم تشهده العلاقة بين الجانبين من قبل. ثم جاء الربع الأول من عام 2026 ليسجل نمواً إضافياً بنسبة 23.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. لكن الأرقام وحدها لا تكشف عمق الصورة، فالأهم من حجم التبادل هو التحول النوعي الذي تنطوي عليه هذه السياسة، وهو ما يغيب عن كثير من القراءات السطحية لهذا القرار.
لفهم هذا القرار حقاً، يجب أن نضعه في سياقه الدولي الكامل. ففي العام ذاته الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة رسوماً جمركية صارمة على عدد من الدول الأفريقية، وتركت اتفاقية أغوا، التي شكلت لعقود إحدى ركائز التجارة الأمريكية الأفريقية، تقترب من نهايتها دون وضوح بشأن مستقبلها، كانت الصين تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. العالم يتجه اليوم نحو الحمائية والانكفاء، والجدران الجمركية ترتفع في أماكن عديدة، بينما اختارت الصين إزالة أحد أكبر هذه الحواجز أمام السلع الأفريقية.
هذا ليس كرماً مجانياً، بل رؤية استراتيجية واضحة لبناء شراكة اقتصادية مع أكثر من مليار ونصف إنسان في قارة تمتلك 65% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالمياً، و30% من الاحتياطيات المعدنية، و12% من احتياطيات النفط العالمية. حين تفرض قوى اقتصادية كبرى قيوداً إضافية على التجارة، وتفتح الصين أبوابها أمام أفريقيا، فإننا لا نكون أمام قرار تجاري فحسب، بل أمام تصور مختلف لشكل العلاقات الاقتصادية الدولية.
منذ عام 2005، كانت الصين تمنح إعفاءات جمركية تدريجية لأفقر الدول الأفريقية، وبحلول ديسمبر 2024 أصبحت 33 دولة من أقل البلدان نمواً تتمتع بإعفاء كامل على جميع خطوط التعريفة الجمركية. لكن القرار الجديد يستهدف تحديداً الدول ذات الدخل المتوسط التي ظلت خارج هذا الإطار، ومن بينها ليبيا ومصر ونيجيريا والمغرب وجنوب أفريقيا وكينيا والجزائر.
بالنسبة لليبيا تحديداً، يعني هذا القرار أن صادراتها ستدخل السوق الصينية البالغة 1.4 مليار مستهلك بلا أي رسوم جمركية بعد أن كانت تخضع لرسوم تتراوح بين 10% و25%. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل هي الفارق بين منتج ليبي قادر على المنافسة في السوق الصيني، ومنتج آخر يقف على الرف بسعر لا يستطيع أحد أن يدفعه. التمور الليبية وزيت الزيتون والمنتجات البحرية التي تتميز بجودة استثنائية ستجد اليوم طريقها إلى ذلك السوق الضخم بلا عوائق.
غير أن الفائدة الأعمق لهذه السياسة لا تكمن في زيادة الصادرات فحسب، بل في الفرصة التي تتيحها لكسر نمط اقتصادي متجذر عانت منه أفريقيا عقوداً طويلة: تصدير المواد الخام وإعادة استيرادها بعد تصنيعها بأسعار أعلى بكثير. فسياسة التعرفة الصفرية تتيح اليوم تصدير منتجات ذات قيمة مضافة؛ زيت زيتون معبأ، وتمور مصنعة، ومنتجات بحرية معالجة، بدلاً من تصدير المواد الخام فقط.
وهذا بالضبط ما قد يحفز جذب الإستثمارات الصينية لتأسيس صناعات تحويلية داخل القارة، بما يخلق فرص عمل حقيقية ويرفع القيمة المضافة للموارد المحلية. وقد صدر القرار رسمياً بموجب الإعلان رقم 54 لعام 2026 الصادر عن الإدارة العامة للجمارك الصينية. وتنص الترتيبات المعلنة على تطبيق الإعفاءات الجمركية الكاملة كالإجراءات المؤقتة خلال الفترة من أول مايو عام 2026 حتى 30 ابريل من عام 2028 دون اشتراط أي ترتيبات مقابلة من الدول الأفريقية المستفيدة، من ثم سيتم التوصل بين الجانبين الصيني الافريقي بعد التشاور الودي إلى الترتيبات النهائية بشأن الرسوم الجمركية التفضيلية لإستفادة الجانب الأفريقي بدرجة قصوى منها، وهو ما يعكس حرص الصين على تمكين الشركاء الأفارقة من الإستفادة المبكرة من هذه المزايا التجارية وتعزيز اندماجهم في الأسواق الدولية.
الصدق يقتضي أن نقول إن هذا القرار، رغم أهميته التاريخية، لن يُترجم تلقائياً إلى ازدهار ما لم تتحرك الدول الأفريقية بإرادة حقيقية لاستثماره. فتطوير سلاسل القيمة، وتحديث البنية اللوجستية، واستيفاء متطلبات شهادات المنشأ، كلها شروط أساسية للاستفادة الفعلية من هذه الفرصة.
بمعنى آخر، الباب مفتوح، لكن الدخول يتطلب بضاعة جاهزة.
وهذا هو التحدي الليبي الحقيقي الذي لا يمكن تجاهله: كيف نحول هذه الفرصة من نص في وثيقة رسمية إلى صادرات فعلية تصل إلى رفوف الأسواق الصينية؟
النافذة الزمنية مفتوحة حتى أبريل 2028، وسنتان في عالم اليوم السريع قد تصنعان الفارق بين من يبادر إلى اقتناص الفرصة ومن يكتفي بمراقبتها. أفريقيا لا تحتاج اليوم إلى من يفتح لها الأبواب، فالباب قد فُتح بالفعل. ما تحتاجه هو من يعرف كيف يعبره، ومن يملك ما يستحق أن يُعرض في أكبر الأسواق العالمية.

