
بقلم لبنى يونس
كانت القوافل تشقّ الصحراء جنوباً، محمّلةً بالذهب والملح، لا تسأل عن تأشيرة ولا تنتظر إذناً من أحد. طرابلس كانت المحطة، وأفريقيا كانت الوجهة. هذا الدور لم تخترعه ليبيا التاريخ كتبه قبل أن تُرسم الحدود. فطرابلس كانت محطةً رئيسية في طريق القوافل التي شقّت الصحراء الكبرى جنوباً نحو تمبكتو تلك المدينة التي التقت فيها القوافل القادمة من شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، حاملةً الذهب والملح وسلعاً أخرى شكّلت عصب التجارة لقرون طويلة. وهكذا كانت ليبيا جسراً حقيقياً بين البحر المتوسط وعمق القارة، وهو دور تاريخي يجعلها اليوم جزءاً طبيعياً من أي حديث عن الشراكات الأفريقية الكبرى.
حين أعلن الرئيس شي جين بينغ عن مبادرة الحزام والطريق عام 2013، لم تمضِ أيام حتى ارتفعت أصوات من عواصم متعددة محذّرةً من نوايا الصين في القارة الأفريقية. وكان من حق أي مراقب موضوعي أن يقف أمام هذه الأصوات لحظةً ليتساءل ،ما السياق الذي تُقال فيه هذه التحذيرات؟
التاريخ لا يُنسى ولا يُخترع. ففي عام 1884، اجتمعت القوى الكبرى في برلين لتقسيم القارة الأفريقية فيما بينها، في غياب أي صوت أفريقي على تلك الطاولة. ما تلا ذلك كان عقوداً من الإحتلال والنهب المباشر للموارد وفرض الحدود والهويات والثقافات بالقوة. هذه ليست اتهامات، بل وقائع موثّقة في سجلات التاريخ ذاتها.
وفي المقابل، تُقدّم مبادرة الحزام والطريق نموذجاً يقوم وفق إطارها المُعلن على الشراكات الإقتصادية ومشاريع البنية التحتية واحترام سيادة الدول. وخلال السنوات اللاحقة لإطلاق المبادرة، وقّعت أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية وثائق تعاون مرتبطة بها، فيما بلغ حجم التجارة بين الصين والدول الشريكة نحو 3.07 تريليون دولار خلال عام 2024، وفق بيانات رسمية صينية.
غير أن هذا لا يعني أن النموذج بمنأى عن التأمل النقدي. ثمة أسئلة مشروعة تستحق المتابعة.
كيف تُدار شروط القروض؟ وما الأثر طويل المدى على الاقتصادات المحلية؟ وكيف توازن الدول المستفيدة بين فرص التنمية ومتطلبات السيادة الوطنية؟
هذه أسئلة ينبغي أن تطرحها أفريقيا على نفسها قبل أي طرف آخر. لكنها تُطرح في سياقها الكامل، لا بمعزل عن التاريخ، ولا بمعيارين متفاوتين.
وهنا يكمن الفارق بين النقد الموضوعي والتشكيك الانتقائي. فالمقاربة الحقيقية لأي شراكة تتطلب معياراً واحداً يُطبَّق على الجميع، لا استثناءات يمنحها من يرى نفسه وصيّاً على تعريف الشراكة النظيفة.
ليبيا اليوم تقف كما كانت دائماً على مفترق القارة وبوابتها الشمالية. وأمامها فرصة حقيقية لبناء شراكات تنطلق من مصلحتها الوطنية، مبنيّةً على قراءة هادئة للواقع، بعيداً عن الحماسة من جهة والوصاية من جهة أخرى. القرار ينبغي أن يكون قراراً ليبياً، مبنياً على ما تعنيه كل شراكة فعلاً على أرض الواقع.
وهذا بالضبط ما تسعى هذه السلسلة إلى بنائه.
الحلقة القادمة
على الأرض… ما الذي بنته الصين فعلاً في أفريقيا؟ نماذج من القارة غيّرت فيها مشاريع البنية التحتية مسارات التنمية، وما الذي يمكن لليبيا أن تتعلمه من تلك التجارب؟
