
الصين ـ لانغياـ لينيي
26 أكتوبر 2026
بقلم لبنى يونس
مساء الإثنين، بعد قطار غادر بكين عند الظهيرة، جلستُ في مدينة لانغيا القديمة أمام عرض مسرحي يروي كيف بنى الأسلاف مدينتهم. لم يكن الجبل في الحكاية خلفية جميلة، بل خصماً قديماً. ولم يكن النهر مصدر حياة فحسب، بل عائقاً ينبغي ترويضه قبل أن يُرفع أول حجر. تابعتُ أناساً يشقّون الأرض ويقاومون الطبيعة، فخطر لي سؤال لم يكن في الحسبان ،ما الذي يجعل حكاية قديمة تملأ مسرحاً حديثاً كل ليلة؟
الجواب لا يبدأ من الخشبة، بل من المفارقة التي تقوم عليها المدينة. فلانغيا في لينيي تستند إلى تراث يمتد نحو ثلاثة آلاف عام، لكن بناءها بدأ عام 2016، ولم تُفتح أبوابها للزوار رسمياً إلا في فبراير 2024. حجر قديم وافتتاح قريب، وذاكرة عريقة وإدارة معاصرة. قام المشروع على نموذج جديد يجمع بين العروض الداخلية الضخمة وأحياء الإنغماس الثقافي، وتدور فكرته حول (سبعة أحلام وسبعة استكشافات) تقود الزائر من العصور القديمة إلى الذاكرة الثورية الحمراء. وتضم المدينة شارعين تجاريين للتراث اللامادي و16 قاعة لعرضه، و13 قاعة تجربة ثقافية ذات طابع خاص، وسبعة أحياء رئيسة، بينها حي يعيد تصوير التجارة القديمة، وآخر للأسواق الليلية، وثالث للمكاتب الحكومية القديمة.
ثم جاء العرض الثاني، وهو العرض الوطني لانغيا، فعرفتُ أن ما شاهدتُه الأول لم يكن استثناءً، بل قاعدة. وتقول الأرقام ما لا تقوله الحكايات, نحو 13 مليون زائر منذ الإفتتاح، 76% منهم من خارج المدينة. وقد أُدّي العرض الوطني أكثر من 2400 مرة، وشاهده 5.2 مليون شخص، ويبلغ أقصى عدد للعروض في اليوم الواحد 11 عرضاً بنسبة إشغال وصلت إلى 85%. وأُدرج في الدفعة الثانية من قائمة العروض السياحية المتميزة الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة، وكان المشروع الوحيد من مقاطعة شاندونغ الذي اختير فيها. وفي عطلة العيد الوطني 2026 استقبلت المنطقة أكثر من 600 ألف زائر، بزيادة قدرها 55% على أساس سنوي، لتدخل ضمن أفضل عشر مناطق سياحية في قائمة العطلة، وحظيت بتغطية إعلامية مكثفة، بينها برنامج (صباح الخير أيها العالم) على تلفزيون الصين المركزي. أليست هذه أرقام صناعة، لا أرقام متحف؟
وهنا يستحق الأمر وقفة. فالمعتاد أن يُنظر إلى التراث على أنه عبء على الحاضر، ذاكرة تُحفظ خلف الزجاج وتُزار في العطل. أما لانغيا فتعامله كرأس مال حيّ، فتأخذ قصة الأجداد مع الجبال والأنهار، وتحوّلها إلى تجربة يعيشها الزائر ويدفع ثمنها ويعود ليرويها. وتتجاوز التجربة المسرح إلى ما حوله صناعة تقوم على التراث غير المادي، وحرف تُباع، وسياحة ليلية تمدّ ساعات النشاط الإقتصادي، ومشروع يُصنَّف نموذجاً لتحويل المحركات القديمة للتنمية إلى محركات جديدة. لم تبِع المدينة الحجر، بل باعت المعنى. وهل هناك سلعة أثمن من حكاية تقنع الغريب بأنها تخصّه؟
لكن هذا النجاح يفتح أسئلة أخرى. فما الذي يجعل الإستثمار في التراث مجدياً هنا، ومتعثراً في مواضع كثيرة أخرى؟ أهو حجم الإنفاق وحده، أم دقة التخطيط وجودة الأداء وانتظام التشغيل؟ وكم من المدن العريقة يملك مثل هذه الحكاية ولا يحسن روايتها؟ وكم من الأسلاف واجهوا جبالهم وأنهارهم ولم نمنحهم خشبة واحدة؟ ومتى ننتقل من الفخر بالتاريخ إلى تصميمه تجربةً تُرى وتُلمس وتُحسب في الإقتصاد؟ وهل تكفي الشراكات والخبرات المنقولة لنصنع ذلك، أم نحتاج قبلها إلى أن نقتنع بأن ما نملكه يستحق أن يُروى؟
خرجتُ من العرضين وفي ذهني مشهد واحد، أناس يقفون أمام الجبل ولا يتراجعون. وكل ما أتمناه أن يكون في بلادنا من يقف الوقفة ذاتها أمام ما يعيق تنميتها، وأن تكون لنا من هذه الشراكة نافذة تعلّمنا كيف تُروى الحكاية فتتحول إلى حياة.


