
بكين – الصين
8 مارس 2026
عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وزير الخارجية وانغ يي يجيب على أسئلة الصحفيين الصينيين والأجانب حول سياسة الصين الخارجية وعلاقاتها الدولية
في يوم 8 مارس عام2026 ، عقدت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الـ14 لنواب الشعب الصيني مؤتمرا صحفيا في مركز ميديا، حيث أجاب عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وزير الخارجية وانغ يي على أسئلة الصحفيين الصينيين والأجانب حول سياسة الصين الخارجية وعلاقاتها الدولية.
وانغ يي: أيها الأصدقاء الصحفيون، صباح الخير! يسعدني جدا أن ألتقي معكم مرة أخرى. اليوم هو اليوم العالمي للمرأة، في البداية، يطيب لي بهذه المناسبة أن أتقدم بخالص التمنيات إلى جميع المواطنات. كما أود أن أنتهز هذه الفرصة لأعرب عن خالص الشكر لأصدقائنا من وسائل الإعلام والشخصيات من مختلف الأوساط على متابعتكم ودعمكم للدبلوماسية الصينية.
يشهد العالم اليوم تطورا متسارعا للتغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة، وتشابكا وتداخلا للتحولات والاضطرابات، وتعاقبا مستمرا للحروب والصراعات. بينما تشهد الصين اليوم وتيرة سريعة لبناء دولة قوية، وزخما لا يقاوم لنهضة الأمة، وتأثيرات دولية تتزايد يوما بعد يوم. تحت القيادة القوية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ونواتها الرفيق شي جينبينغ، تتمحور الدبلوماسية الصينية حول المهمة المركزية للحزب والوطن، وتتبع الإرشاد العلمي لفكر شي جينبينغ بشأن الدبلوماسية، وتدافع بكل حزم عن سيادة البلاد وأمنها ومصالحها التنموية، وتحافظ بكل حزم على سيادة القانون في العالم والعدل والإنصاف، وتعارض بكل حزم كافة التصرفات الأحادية الجانب وسياسة القوة والتنمر، وتتمسك بكل حزم بالالتزامات الدولية المطلوبة وتفي بها، وتقف بكل حزم إلى الجانب الصحيح في مسيرة تقدم التاريخ. تحدونا ثقة تامة بمستقبل البشرية بكوننا أهم قوة للسلام والاستقرار والعدالة في العالم، ونحن على استعداد للعمل مع كافة الدول ذات نفس الرؤية والطموحات على مواصلة تسجيل صفحة عصرية متسمة بالسلام والتنمية والتعاون والكسب المشترك نحو الهدف السامي المتمثل في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.
وبالتالي، أنا على استعداد للإجابة عن أسئلتكم.
CCTV: إن عام 2025 عام استثنائي للغاية بالنسبة للدبلوماسية الصينية. هل لكم تسليط الضوء على الإنجازات التي حققتها الدبلوماسية على مستوى القمة في العام المنصرم؟ وما هي نقاط لافتة جديدة في العام الجاري؟
وانغ يي: تعد الدبلوماسية على مستوى القمة مرساة للدبلوماسية الصينية. قام الرئيس شي جينبينغ في العام المنصرم بالممارسات الدبلوماسية الحافلة بالإنجازات على مستوى القمة، في وجه الأوضاع الدولية التي شهدت الرياح العاتية والأمواج المتلاطمة، مما خلق سلسلة من اللحظات التاريخية المهمة.
خلال العام المنصرم، عقد الرئيس شي جينبينغ لقاءات مهمة مع قادة الدول الرئيسية في العالم وأجرى التواصل الاستراتيجي معهم، مما خلق تجربة جديدة من الحوار والتنسيق بين الدول الكبرى؛ وقام بالزيارات إلى جنوب شرقي آسيا وروسا وآسيا الوسطى وجمهورية كوريا، مما رسخ مشهدا جديدا من حسن الجوار مع الدول المجاورة؛ وترأس قمة تيانجين لمنظمة شانغهاي للتعاون ومنتدى الصين – سيلاك (مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي)، مما حشد قوة دافعة جديدة لتضامن الجنوب العالمي؛ وحضر سلسلة من الفعاليات بمناسبة الذكرى السنوية الـ 80لإحياء انتصار مقاومة الشعب الصيني ضد العدوان الياباني وانتصار الحرب العالمية ضد الفاشية، مما أطلق صوتا قويا جديدا للدفاع عن السلام والعدالة.
خلال العام المنصرم، قد تعرف المجتمع الدولي على الصين واقترب منها وعلق ثقة وتطلعات أكبر عليها من خلال الدبلوماسية على مستوى القمة. وهناك عدد متزايد من الدول أدركت أن الدبلوماسية الصينية التي يخططها ويقودها الرئيس شي جينبينغ شخصيا، وفرت عوامل الاستقرار واليقين التي تعد أثمن شيء في العالم المضطرب، وهي أصبحت عمودا فقريا لا بديل له في ظل الاضطرابات التي يشهدها العالم. خاصة أن المبادرات والمفاهيم المهمة التي طرحها الرئيس شي جينبينغ تجسد بصيرته الاستراتيجية المتميزة ورؤيته العالمية الواسعة، وهي حددت الاتجاه الصحيح لتطور التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة في العالم.
في العام الجاري، سيستقبل الرئيس شي جينبينغ ضيوف العالم في الصين، ويترأس الاجتماع غير الرسمي لقادة دول أبيك والقمة الصينية العربية الثانية وغيرهما من الفعاليات الكبيرة التي تستضيفها الصين، ويقوم بزيارات مهمة عديدة، وذلك سيدفع بكل تأكيد تطور العلاقات بين الصين ودول العالم نحو اتجاه أكثر إيجابية، ويدفع بكل تأكيد فتح أفق جديد لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، ويدفع بكل تأكيد الأمة الصينية لتقديم مساهمات جديدة لقضية السلام والتنمية في العالم.
Sputnik: في ظل الأوضاع الدولية المعقدة، كيف تواجه الصين وروسيا كدولتين كبيرتين محاولة إعادة تكوين القانون الدولي وقواعد التجارة العالمية؟
وانغ يي: يصادف هذا العام الذكرى السنوية الـ 30لإقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية للتنسيق بين الصين وروسيا، والذكرى السنوية الـ 25للتوقيع على “معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين الصين وروسيا”. ظلت العلاقات الصينية الروسية” تصمد كالجبل في خضم العواصف ،”في ظل التغيرات والاضطرابات المتشابكة التي تشهدها الأوضاع الدولية.
لماذا وصلت هذه العلاقات إلى هذا المستوى؟ أعتقد أن السبب الرئيسي يكمن في أن علاقات الشراكة الاستراتيجية للتنسيق بين الصين وروسيا تقام منذ البداية على أساس المساواة والاحترام والمنفعة المتبادلة، وتعكس محتويات نوع جديد من العلاقات الدولية، وتمثل اتجاه تطور نوع جديد من العلاقات بين الدول الكبيرة.
تتميز الصين وروسيا بالاستقلالية على الصعيد الاستراتيجي. نحترم دائما المصالح الجوهرية للجانب الآخر، ولا نفرض إرادتنا وأجندتنا على الجانب الآخر قسرا، ونلتزم بعدم التحالف وعدم المجابهة وعدم استهداف طرف ثالث.
تتميز الصين وروسيا بدرجة عالية من الثقة المتبادلة على الصعيد السياسي. يعد التساند كتفا بكتف طابعا أساسيا للعلاقات الصينية الروسية، وهي تتمتع بالمرونة الاستراتيجية الهائلة مهما كانت محاولة لزرع بذور الشقاق أو فرض الضغوط من الخارج.
تتميز الصين وروسيا بالتعاون الكثيف على الصعيد العملي. لدى الصين وروسيا أكثر التوافقات الاستراتيجية وأوثق التعاون الاستراتيجي حول الشؤون الدولية والإقليمية الهامة، بما فيها ما ذكرته من مسألة الدفاع عن القواعد الدولية والنظام الدولي.
يقف النظام الدولي الذي تمت إقامته بعد الحرب العالمية الثانية أمام منعطف حاسم مرة أخرى بعد صموده أمام اختبارات التحديات والصعوبات على مدى 80 عاما. في العام الماضي، حضر الرئيسان الصيني والروسي الفعاليات الاحتفالية لإحياء انتصار الحرب ضد الفاشية التي أقيمت في الجانب الآخر، حيث أصدر الجانبان ثلاثة بيانات مشتركة ذات وزن كبير بشأن تعميق التعاون الاستراتيجي الشامل وترسيخ الاسقترار الاستراتيجي في العالم والدفاع عن سلطة القانون الدولي، الأمر الذي بعث رسالة واضحة للعالم مفادها ضرورة الحفاظ على المفهوم الصائب حول تاريخ الحرب العالمية الثانية والدفاع عن نتائج انتصار الحرب العالمية الثانية ورفض تصرفات الأحادية الجانب والتنمر بعزيمة لا تتزعزع. قبل 80 سنة، قدمنا” المساهمة الصينية الروسية “في سبيل إقامة النظام ما بعد الحرب، أما في يومنا هذا بعد 80 سنة، فسنضخ” الطاقة الصينية الروسية “لاستقبال عالم متعدد الأقطاب.
تلفزيون شنتشن: أعلن الجانب الصيني عن عقد الدورة الـ33 للاجتماع غير الرسمي لقادة منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ(أبيك) في مدينة شنتشن في نوفمبر المقبل، ما هي النتائج المهمة التي سيحققها الاجتماع لهذا العام؟
وانغ يي: ستكون الصين الدولة المضيفة لأبيك هذا العام، وهذه هي المرة الثالثة للصين للإشراف على هذا العمل. قد مضت 25 عاما حافلا بالأحداث في مسيرة تطور أبيك، بما فيها اجتماعاتها في شانغهاي عام 2001 وفي بيجينغ عام ،2014وفي شنتشن هذا العام، مرت هذه المنظمة بتعرجات وتقلبات للتعاون في المنطقة، وشهدت أيضا الغاية الأصلية الصينية التي لم تتغير للسير مع آسيا والمحيط الهادئ.
من أجل أداء مهام الدولة المضيفة على نحو جيد، ستتمحور كافة الأعمال الصينية في هذا العام بأكمله حول مركز واحد، ألا وهو تحويل الأهداف والخطوط العريضة لإقامة مجتمع المستقبل المشترك في آسيا والمحيط الهادئ إلى الأفعال والواقع. لقد مرت بضعة عقود منذ طرح مفهوم إقامة مجتمع المستقبل المشترك في آسيا والمحيط الهادئ، غير أن هذا المفهوم لا يمكن أن يبقى في الورق أو يقتصر على الرؤية فقط. نأمل في أن نجد إجابة في مدينة شنتشن، لبلورة توافقات الجميع وتحديد المجالات ذات الأولوية واتخاذ خطوات قابلة للتنفيذ، بما يجعل إقامة مجتمع المستقبل المشترك في آسيا والمحيط الهادئ توافقات سائدة وتجربة حية لشعوب المنطقة.
بعد الاتصالات المكثفة مع مختلف الأطراف، قد حددنا العنوان الرئيسي لاجتماع أبيك في هذا العام، ألا وهو” إقامة مجتمع المستقبل المشترك في آسيا والمحيط الهادئ وتعزيز الازدهار المشترك .”سيركز هذا الاجتماع المزمع عقده في مدينة شنتشن على المجالات الثلاثة ذات الأولوية” :الانفتاح والابتكار والتعاون”، ويحدد الاتجاه ويحشد القوة من جديد للتعاون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي تقف أمام مفترق طرق .سنقوم ببناء الأعمدة الرئيسية لإقامة هذا المجتمع، وتنسيق المسارات المختلفة لبناء منطقة التجارة الحرة في آسيا والمحيط الهادئ، وتخطيط الترتيبات المعقولة للتواصل والترابط في المنطقة، والدفع بقوة بالتحول الرقمي والذكي والأخضر .سنقيم أكثر من 300 فعالية في مختلف المدن بمشاركة المقاطعات والبلديات العديدة من الصين، وهناك فرص متاحة لكافة الاقتصادات الأعضاء لتقديم مساهماتها .
تعتبر مدينة شنتشن نافذة مهمة للإصلاح والانفتاح في الصين، وأيقونة بارزة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية، ورائدة ابتكارية في منطقة خليج قوانغدونغ-هونغ كونغ-ماكاو الكبرى .نحرص على العمل مع كافة الأطراف على الدفع بأبيك لتنطلق من شنتشن من جديد، توجها نحو هدف إقامة مجتمع المستقبل المشترك في آسيا والمحيط الهادئ.
تلفزيون فينيكس: شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات العسكرية على إيران مرة أخرى، ويمتد الصراع حاليا إلى منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ما هي آراء الجانب الصيني حول حل الملف الإيراني؟
وانغ يي: هذه هي مسألة تشغل بال كافة الأطراف، وأيضا بؤرة للأوضاع الدولية الراهنة. يلتزم الجانب الصيني بموقف موضوعي وعادل، وقد أوضح موقفه المبدئي لعدة مرات، الذي يمكن تلخيصه بجملة واحدة، ألا وهي وقف إطلاق النار ومنع الحرب. يقول صينيون قدامى “إن الحرب أداة خطيرة، فلا بد من التحذر من اللجوء إليها”. في وجه الشرق الأوسط الغارق في نيران الحرب، أود التأكيد على أن هذه الحرب كان ينبغي ألّا تندلع أصلا، ولا يربح فيها أي طرف. إن تاريخ الشرق الأوسط يذكّر الناس مرارا وتكرارا بأن اللجوء إلى القوة ليس حلا للمشاكل، ولا تؤدي الحرب إلا إلى مزيد من الكراهية، ولا تولد إلا مزيدا من الأزمات. يدعو الجانب الصيني مرة أخرى إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية ومنع التصعيد المستمر للأوضاع وتجنب اتساع رقعة نيران الحرب.
يرى الجانب الصيني أن إيجاد حلول صحيحة وملائمة للمشاكل المعنية في إيران والشرق الأوسط يتطلب الالتزام بالمبادئ الأساسية التالية:
أولا، احترام سيادة الدول. تعتبر السيادة حجر الزاوية للنظام الدولي القائم. ندعو إلى ضرورة احترام السيادة والأمن وسلامة الأراضي لإيران وكافة الدول في منطقة الخليج، دون المساس بها.
ثانيا، الامتناع عن استخدام القوة بشكل تعسفي. قوة القبضة لا تساوي قوة الحق، ولا يجوز أن يعود العالم إلى عصر يحكمه قانون الغاب. من يستخدم القوة بشكل تعسفي لا يثبت أنه قوي، ولا يجوز أن يكون أبناء الشعوب ضحايا أبرياء للحرب.
ثالثا، التمسك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية. إن أبناء شعوب الشرق الأوسط هم الأسياد الحقيقيون لهذه المنطقة، ويجب أن تقرر دول منطقة الشرق الأوسط شؤونها بإرادتها المستقلة. وإن تخطيط الثورة الملونة والقيام بتغيير النظام لأمر مرفوض لدى الشعوب.
رابعا، حل القضايا الساخنة سياسيا. تدعو الصين دائما إلى تغليب السلام، وينبغي لكافة الأطراف العودة إلى طاولة المفاوضات في أسرع وقت ممكن، وتسوية الخلافات عبر الحوار على قدم المساواة، وبذل جهود في تحقيق الأمن المشترك.
خامسا، ينبغي للدول الكبيرة أن تلعب دورا بناء وتستخدم قدرتها بحسن النية. هناك مثل صيني قديم آخر يقول، “بغياب العدل، تتقلب الموازين من النصر إلى الهزيمة”. فعلى الدول الكبيرة أن تلتزم بالعدل وتسير على طريق مستقيم، وتقدم مزيدا من الطاقة الإيجابية للسلام والتنمية في الشرق الأوسط.
إن الصين كصديق مخلص وشريك استراتيجي لدول الشرق الأوسط، على استعداد للعمل معها على تنفيذ مبادرة الأمن العالمية، بما يعيد النظام للشرق الأوسط ويعيد الأمن لشعوبها ويعيد السلام للعالم.
قناة الأخبار الآسيوية: طرحت الصين مبادرة الحوكمة العالمية في العام الماضي. ويرى بعض المراقبين أن ما قامت به الصين من طرح هذه المبادرة والمشاركة في الآليات مثل منظمة شانغهاي للتعاون ودول البريكس يثبت أن الصين ترغب في لعب دور أكبر في الحوكمة العالمية ومواجهة السياسات والآليات التي يقودها الغرب. ما هو ردكم على ذلك؟
وانغ يي: يشهد العالم اليوم تحديات متعاقبة وعجزا أبرز في الحوكمة، وتواجه تعددية الأطراف صدمات خطيرة.
إن مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس شي جينبينغ جاءت في وقتها، وسرعان ما لاقت الدعم والاستجابة من أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية، وقال الأمين العام للأمم المتحدة فور الإطلاع عليها إن المفاهيم الجوهرية لهذه المبادرة تتوافق بدرجة عالية مع المعتقدات التي تتمسك بها الأمم المتحدة. إن “مجموعة الأصدقاء للحكومة العالمية” التي بادرت الصين إلى إطلاقها، قد تم تأسيسها في مقري الأمم المتحدة في نيويورك وفي جنيف على التوالي، وقد انضمت دول العالم خاصة دول الجنوب العالمي بنشاط إليها.
لماذا تجد مبادرة الحوكمة العالمية التجاوب الواسع النطاق؟ أعتقد أن المفتاح يكمن في أن المفاهيم الخمسة التي تؤكد عليه هذه المبادرة، أي مساواة السيادة وسيادة القانون في العالم وتعددية الأطراف ووضع الإنسان في المقام الأول والتركيز على العمل، تلبي التطلعات المشتركة للمجتمع الدولي، وتعبر عن الصوت المشترك لشعوب العالم.
إن الرسالة الأكثر جلاء التي بعثت بها مبادرة الحوكمة العالمية، هي ضرورة التمسك بالمكانة القيادية للأمم المتحدة دون أي زعزعة، وضرورة تعزيز الدور المركزي للأمم المتحدة دون إضعافه. رغم أن الأمم المتحدة ليست مثالية، إلا أن هذا العالم سيكون أسوأ في حال غيابها. وإن إنشاء منصة جديدة بمعزل عن الأمم المتحدة، حتى تشكيل تكتلات صغيرة ودوائر ضيقة، لأمر مرفوض ولا يدوم.
إن المطلب الأكثر وضوحا الذي طرحته مبادرة الحوكمة العالمية، هو ضرورة مواكبة الأمم المتحدة تطورات العصر، وضرورة تكيفها مع تطورات الأوضاع الدولية في القرن الـ21 وتغيرات ميزان القوى في العالم من خلال إصلاح واستكمال منظومة الحوكمة، وخاصة ضرورة تعزيز الصوت والتمثيل لدول الجنوب العالمي، وزيادة التعبير عن المطالب العادلة للدول النامية الغفيرة، سعيا إلى إقامة منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا.
إن الصين كعضو مؤسس للأمم المتحدة، تحافظ بثبات على قضايا الأمم المتحدة. ونحن كأكبر دولة نامية ندرك بشكل أكبر مدى تطلعات دول الجنوب العالمي. وإن كلاً من منظمة شانغهاي للتعاون وآلية دول البريكس اللتين يشارك الجانب الصيني في بنائهما، تعتبر الالتزام الثابت بميثاق الأمم المتحدة أهم دليل عملي، وتسعى إلى استكشاف وكسب خبرات مفيدة لإصلاح واستكمال الحوكمة العالمية. يدعو الجانب الصيني مزيدا من الدول إلى المشاركة في مبادرة الحوكمة العالمية ودعمها، ولنعمل سويا على إعادة إحياء الأمم المتحدة والحفاظ عليها وتعظيمها.
CNN: منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شهدت العلاقات الصينية الأمريكية تقلبات. وإن زيارته للصين في نهاية الشهر الجاري مرتقبة جدا. كيف ستؤثر الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران على هذه الزيارة؟ وما تطلعات الجانب الصيني تجاه مخرجات زيارة ترامب للصين وتطورات العلاقات الثنائية في المرحلة القادمة؟
وانغ يي: إن العلاقات الصينية الأمريكية تهم الجميع وتؤثر على العالم. قطع التعامل بين البلدين لن يؤدي إلا إلى سوء الفهم وسوء التقدير، وتوجه البلدين نحو المصارعة والمواجهة سيلحق أضرارا بالعالم. إن الصين والولايات المتحدة دولتان كبيرتان، ولا يستطيع كل منهما تغيير الجانب الآخر، غير أنه يمكنهما تغيير طريقة التعامل مع بعضهما البعض، ألا وهي الالتزام بموقف الاحترام المتبادل، والدفاع عن التعايش السلمي كالخط الأحمر، والسعي وراء أفق التعاون والكسب المشترك، وهذه الطريقة هي التي تتفق مع مصالح الشعبين ومع تطلعات المجتمع الدولي.
ما يثلج صدورنا هو أن رئيسي البلدين قد بذلا جهودا شخصية، ويبقيان على التواصل الجيد على أعلى مستوى، الأمر الذي وفر ضمانا استراتيجيا مهما لتحسين وتطوير العلاقات الصينية الأمريكية، وأسهم في تحقيق الاستقرار العام لهذه العلاقات بعد المرور بالتعرجات والتقلبات. إن العام الجاري عام حافل بالنسبة إلى العلاقات الصينية الأمريكية، إذ وضعت على طاولتنا أجندة التواصل الرفيع المستوى بين البلدين. الآن، من المطلوب من الجانبين وضع الاستعدادات الكاملة وتهيئة الظروف المواتية والسيطرة على المخاطر القائمة وإبعاد التشويشات التافهة. ظل موقف الجانب الصيني إيجابيا ومفتوحا، ومن المهم أن يتقدم الجانب الأمريكي نحو نفس الاتجاه أيضا. أنا على يقين بأنه طالما يتعامل الجانبان مع بعضهما البعض بالصدق والوفاء، نتمكن من إطالة قائمة التعاون وتقليص قائمة المشاكل باستمرار، ونتمكن تحت القيادة الاستراتيجية من قبل رئيسي البلدين، من تحقيق نتائج مرضية لكلا الشعبين، والتوصل إلى توافقات يرحب بها المجتمع الدولي برمته، وجعل عام 2026 عاما مفصليا لتوجه العلاقات الصينية الأمريكية نحو مسار التطور السليم والمستقر والمستدام.
وكالة أنباء باكستان: لاحظنا أن البيئة المحيطة بالصين بعيدة عن السلام في العام الماضي، إذ حصلت متغيرات سياسية في عدة دول، وازدادت الخلافات والنزاعات بين دول المنطقة. كيف ينظر الجانب الصيني إلى الوضع في محيطه؟
وانغ يي: تنبع فلسفة التساند والتآزر والصداقة وحسن الجوار من تقليد وثقافة الصين. نضع دول الجوار دوما في صدارة الأولويات لدبلوماسيتنا تجاه العالم. بعد دخول العصر الجديد، طرح الرئيس شي جينبينغ المفهوم الدبلوماسي تجاه دول الجوار المتمثل في الحميمية والصدق والترابح والتسامح، وعقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني للمرة الأولى المؤتمر حول العمل ذي الصلة بدول الجوار في العام الماضي، حيث تم طرح مزيد من الأهداف بشأن بناء مجتمع المستقبل المشترك مع دول الجوار، ذلك يرمز إلى فهمنا واهتمامنا المتزايدين تجاه دول الجوار، وأيضا لاقى ترحيبا ودعما من هذه الدول.
يدخل العالم حاليا حقبة عاصفة، إلا أن منطقة آسيا لا تزال تحافظ على الاستقرار العام والنمو السريع، وتجاوزت نسبة مساهمتها في نمو الاقتصاد العالمي 60% في العام الماضي. لم يأت هذا المشهد بسهولة، بل هو جاء نتيجة للجهود المشتركة من الصين ودول الجوار. لا نخفي أن دول المنطقة تشهد تغيرات سياسية بين حين وآخر، وهناك القضايا المعقدة والحساسة التي خلفها التاريخ فيما بينها، لكن لم تتغير الأساسيات من حسن الجوار، ولم يتغير الاتجاه العام من التعاون والكسب المشترك.
إن أحد الأسباب الرئيسية لحال السلام والاستقرار في دول الجوار، يكمن في التزام الصين الراسخ بفلسفة الوئام مع الجوار وطمأنتهم وإثرائهم، وتطبيقها مفهوم الحميمية والصدق والترابح والتسامح ومفهوم التشارك في مستقبل واحد، ودعوتها إلى الإقليمية المنفتحة والتعددية الحقيقية. لنتخيل، لو فعلت الصين على غرار بعض الدول العظمى التقليدية التي تعكف على تقسيم مناطق النفوذ في محيطها وإثارة المواجهة بين المعسكرات حتى إفقار الجار، فهل كان الوضع في آسيا سيبقى مستقرا كما هو اليوم؟ وهل كان يمكن للمجتمع الدولي الاستفادة من فرص التنمية في آسيا؟ قد أثبتت الحقيقة أن الصين ظلت مرساة للأمن في المنطقة ومحرّكا لتنميتها وازدهارها وممارسا للقيم الآسيوية المشتركة. نشعر بالارتياح حيال دورنا هذا، مستعدين لبذل جهود أكبر في هذا الصدد في المستقبل.
تشاينا نيوز سيرفيس: مع قيام عدد متزايد من الشركات الصينية والمواطنين الصينيين بـ”الذهاب إلى الخارج”، يتوسع نطاق المصالح الصينية في الخارج، وأصبحت مسؤولية الدبلوماسية الصينية لخدمة الشعب أكبر. كيف ستعمل وزارة الخارجية على حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين الصينيين والشركات الصينية في الخارج بصورة أفضل؟
وانغ يي: إن خدمة الشعب هي غرض ثابت لدبلوماسية جمهورية الصين الشعبية، وبناء منظومة الصين الآمنة في الخارج هو مساع دؤوبة للدبلوماسيين الصينيين في العصر الجديد.
في العام المنصرم، تعاملنا مع أكثر من 100 حدث مفاجئ هام متعلق بالمواطنين والمؤسسات الصينية وراء البحار، وأكثر من 79 ألف قضية بشأن الحماية والمساعدة القنصلية، وتلقينا أكثر من 600 ألف مكالمة عبر الخط الساخن 12308 للحماية القنصلية، ونشرنا أكثر من 3000 تنبيه أمني خارج الصين، وأنقذنا أكثر من 50 مواطنا صينيا مختطفا في إفريقيا، وقمنا بمكافحة القمار على الإنترنت والاحتيال السيبراني بالتعاون مع دول الجوار، حيث تم إعادة عشرات الآلاف من الأفراد إلى الصين قسرا أو طوعا.
في العام المنصرم، حافظنا بحزم على الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية وراء البحار، ودفعنا حكومات الدول المستضيفة لتأمين المشاريع الصينية وأفرادها، وفي نفس الوقت، اتخذنا إجراءات مضادة حازمة إزاء القمع غير المبرر على الشركات الصينية، وساعدناها في رفع القدرة على الوقاية من المخاطر وحماية الحقوق وفقا للقانون. يتولى دبلوماسيونا مهامهم، ويصمد بعضهم في مناطق الحروب والاضطرابات لمدة طويلة، ويواجه بعضهم تهديدات تشفي الأوبئة والأمراض كل يوم، حتى يعمل ويعيش بعضهم الآخرون في منازل الحاويات الجاهزة أو في الهضاب ذات النقص الحاد من الأكسجين، لكن يتفانى كلهم في عملهم بلا كلل أو تذمر. في هذه اللحظة بالذات، تعمل سفاراتنا وقنصلياتنا في إيران ودول الخليج بكل جدّ على إجلاء وتأمين المواطنين الصينيين. فيمكن القول إن الدبلوماسيين الصينيين يحمون المواطنين الصينيين أينما رفرف علم الصين، ويشعر المواطنون الصينيون باهتمام ودفء من الحزب الشيوعي الصيني والحكومة الصينية طالما تكون لهم تطلعات ومتطلبات.
أود أن أقول للمواطنين في الخارج إن العالم أمامكم يشهد الفوضى والاضطرابات، والوطن الأم وراءكم يحفظ الاستقرار ويقدم الضمانات. سنواصل الالتزام بوضع الشعب فوق كل الاعتبارات، ومواصلة تعزيز قدرة التأمين في الخارج، وبناء منظومة الوقاية من المخاطر الأمنية التي تغطي العالم كله.
تشاينا ديلي: ما هو تقييمكم للدور القيادي الذي تلعبه دول الجنوب العالمي في عملية إصلاح منظومة الحوكمة العالمية؟ منذ العام الجاري، شهدت الأوضاع الدولية تغيرات هامة، إذ تتصاعد الحمائية وسياسة القوة. كيف يمكن تحقيق ما يدعو الجانب الصيني دائما إليه من التضامن وتقوية الذات للجنوب العالمي؟
وانغ يي: يعتبر الصعود الجماعي للجنوب العالمي علامة بارزة للتغيرات الكبرى في العالم. ارتفعت حصة الجنوب العالمي في الاقتصاد العالمي من 24% إلى أكثر من 40% خلال العقود الأربعة الماضية، مما جعله قوة دافعة محورية تحرك عجلة تعددية الأقطاب العالمية.
في الوقت الراهن، تتفشى نزعة الهيمنة وسياسة القوة، مما شكل صدمة خطيرة للنظام الدولي القائم. فينبغي أن يعزز الجنوب العالمي التواصل والتنسيق، ويبذل جهودا مشتركة لصيانة حقوقه ومصالحه المشروعة وتوسيع فضاء لتنميته المستقلة.
إن الجنوب العالمي طاقة إيجابية ناشئة وفاعلة وساعية للخير في الساحة الدولية. كلما اشتدت التحولات والاضطرابات في العالم، ازدادت ضرورة أن نرسخ الثقة، ونعزز التضامن والتعاون، ونر


