من طريق الحرير إلى طريق التنمية،، حين تكتب الصين تاريخها بصبر لا بالقفز

بقلم لبنى يونس
7 سبتمبر 2027
الصين – بكين
حين يتحدث سفير صيني سابق عن تجربة بلاده، فإنه لا يتحدث بلغة الأرقام وحدها، بل بلغة رجل عايش من موقعه الدبلوماسي كيف تحولت أمة بأكملها من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في تشكيل النظام الدولي. هذا ما استوقفني في المحاضرة الأولى التي استمعت إليها، والتي حملت في طياتها أكثر من مجرد سرد تاريخي لمسيرة التحديث الصينية، بل قدمت، ضمنيًا، سؤالًا يستحق التأمل، كيف تنتقل دولة من صفوف العالم النامي إلى مصاف القوة الإقتصادية الثانية عالميًا خلال أقل من نصف قرن، دون أن تفرط في هويتها السياسية أو تستنسخ نموذجًا جاهزًا من الخارج؟
الإجابة، كما بدت لي من خلال ما استعرضته المحاضرة، لا تكمن في معجزة واحدة، بل في تراكم قرارات استراتيجية اتسمت بالصبر والإنضباط. فانتشال أكثر من مائة مليون مواطن من دائرة الفقر المدقع ليس رقمًا إحصائيًا يُدرج في التقارير الدولية فحسب، بل هو إعلان عن أولوية سياسية واضحة، أن التنمية لا قيمة لها إن لم تصل إلى الإنسان في قاع الهرم الإجتماعي قبل أن تُقاس بمعدلات النمو الكلي. وحين نضع هذا الإنجاز إلى جانب القفزات المتلاحقة في الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2012، ندرك أن الصين لم تكن تسعى إلى النمو بوصفه غاية، بل بوصفه أداة لتحقيق استقرار اجتماعي واسع.
ما يستحق التوقف عنده أيضًا هو أن هذا التقدم لم يتحقق بمعزل عن رؤية سياسية متماسكة، تجمع بين قيادة الحزب الشيوعي الصيني ونموذج اقتصادي مختلط استوعب آليات السوق دون أن يتخلى عن دور الدولة التوجيهي. وهنا يكمن ما يجعل التجربة الصينية مثيرة للجدل بقدر ما هي ملهمة، فهي تكسر المعادلة التي طالما رُوّج لها بأن الليبرالية السياسية شرط لازم للتقدم الإقتصادي، وتطرح بدلًا من ذلك نموذجًا يقول إن الإستقرار المؤسسي والتخطيط طويل المدى قد يكونان أكثر حسمًا من الشكل السياسي ذاته.
أما في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الإصطناعي والصناعات الفضائية، فإن الريادة الصينية لم تعد موضع نقاش بقدر ما أصبحت واقعًا تتعامل معه القوى الغربية بجدية متزايدة، بل وبقلق في بعض الأحيان. وهذا التفوق التقني لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة استثمار ممنهج في التعليم والبحث العلمي، وهو ما تؤكده المحاضرة حين تربط بين الإرتقاء بالخدمات التعليمية والطبية وبين قدرة الصين على الإنتقال من موقع المُقلِّد التكنولوجي إلى موقع المُبتكِر والمُصدِّر للمعرفة.
ولعل ما يستحق التنويه به، من منظور ليبي وعربي، هو أن التجربة الصينية تقدم نفسها كطريق تنموي سلمي، لا يقوم على فرض النموذج أو التدخل في الشؤون الداخلية للشركاء، بل على منطق المصالح المشتركة والبنية التحتية والإستثمار طويل الأمد. وهذا بالتحديد ما يفسر اهتمام دول عديدة في أفريقيا والشرق الأوسط بتوثيق علاقاتها مع بكين، ليس كبديل عن شراكاتها التقليدية، بل كخيار تنموي إضافي يفتح آفاقًا لم تكن متاحة من قبل.
في نهاية المطاف، ليست التجربة الصينية نموذجًا يُستنسخ حرفيًا، فلكل أمة ظروفها التاريخية وبنيتها الإجتماعية الخاصة. لكنها، بلا شك، درس بليغ في أن التنمية الحقيقية تُبنى بالصبر لا بالقفز، وبالتخطيط لا بالإرتجال، وبوضع الإنسان والبيئة في صلب المعادلة لا على هامشها. وهذا وحده كافٍ لتفسير لماذا يستحق هذا الدرس أن يُصغى إليه بعناية، لا أن يُختزل في عناوين اقتصادية عابرة.



