
بقلم لبنى يونس
12 سبتمبر 2026
حين يتحدث الدبلوماسي الصيني عن الشرق الأوسط، فإنه لا يتحدث عن منطقة هامشية في حسابات بكين، بل عن شريك تاريخي تتقاطع معه المصالح والرؤى في لحظة عالمية فارقة. هذا ما استخلصته من المحاضرة الثانية التي تناولت سياسة الصين تجاه منطقتنا، والتي جاءت أكثر تماسكاً من مجرد خطاب دبلوماسي معتاد، إذ قدمت إطاراً متكاملاً يجمع بين المبدأ والمصلحة، بين الثابت الأخلاقي والمتحرك الإقتصادي.
اللافت في هذه الرؤية أنها تنطلق من موقف مبدئي واضح الإلتزام بميثاق الأمم المتحدة، ورفض ازدواجية المعايير التي طالما عانت منها شعوب المنطقة من القوى الكبرى، والتمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وحين نضع هذا الموقف إلى جانب الدور الذي لعبته بكين في التقريب بين الرياض وطهران عام 2023، أو في استضافة حوار فتح وحماس مطلع العام الماضي، ندرك أن الصين لا تكتفي بإعلان المبادئ، بل تترجمها إلى فعل دبلوماسي ملموس يخدم استقرار المنطقة دون أن يفرض عليها وصاية أو شروطاً مسبقة.
على الصعيد الإقتصادي، فالأرقام وحدها تروي قصة تستحق التأمل ، من 3.67 مليار دولار إلى اكثر من 400 مليار دولار هو حجم التبادل التجاري بين الصين والعالم العربي خلال عقدين فقط أي بنمو يتجاوز عشرة أضعاف. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية تتجسد في ما تسميه بكين بـ(المعادلات الخمس للتعاون ) من الإستثمار والتمويل، إلى الطاقة، إلى التجارة المتوازنة، إلى التواصل الثقافي والشعبي، وصولاً إلى الإبتكار المشترك في الذكاء الإصطناعي والفضاء والتقنيات الخضراء. وهي معادلات تكشف أن الشراكة الصينية العربية تجاوزت منذ زمن حدود تبادل السلع، لتدخل عمق الشراكة المعرفية والتكنولوجية.
ولعل ما يستحق التوقف عنده بشكل خاص هو التجربة الصينية في انتشال الفقر بأساليب دقيقة، تلك التي رفعت 850 مليون صيني من دائرة الفقر المدقع، والتي تُطرح اليوم كخبرة قابلة للتبادل مع دول عربية تواجه تحديات مشابهة. فحين تتحدث بكين عن (التحديد الدقيق لمن يحتاجون إلى المساعدة) والتقييم الدقيق لنتائج انتشال الفقر، فإنها تقدم نموذجاً إدارياً قابلاً للدراسة، لا مجرد شعار تنموي.
وفي المحصلة، فإن مشاريع الحزام والطريق التي تجسدت في أكثر من مئتي مشروع كبير عبر العالم العربي، من برج القاهرة إلى الطريق السريع الجزائري إلى جسر محمد السادس، ليست سوى الوجه الملموس لرؤية أعمق, أن الصين والدول العربية، شريكتا طريق الحرير القديم، تسعيان اليوم لتكونا شريكتين طبيعيتين في بناء مستقبل مشترك، لا على أساس الهيمنة، بل على أساس الإحترام المتبادل والمنفعة المشتركة. وهذا بالتحديد ما يجعل هذه الشراكة، رغم كل تعقيدات المشهد الدولي الراهن، نموذجاً يستحق المتابعة والتحليل لا الإختزال في عناوين عابرة.



