
23 أكتوبر 2026
بقلم لبنى يونس
في قاعة الشعب الكبرى ببكين، وقف نحو ثلاثة آلاف شخص في صمتٍ تام، دقيقةً كاملة. لم يكن الصمت بروتوكولاً عابراً، فقد جاء بناءً على اقتراح الرئيس شي جين بينغ، تكريماً للأبطال الثوريين الذين ضحّوا بأرواحهم خلال المسيرة الطويلة وفي النضالات الثورية عبر الصين، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الصينية. وبعد تسعين عاماً، ما زالت قاعةٌ من أرقى قاعات الدولة تقف إجلالاً لمسيرةٍ بدأت بالإنسحاب.
هنا يكمن التناقض الذي يستحق التأمل. بدأت المسيرة في أكتوبر 1934 تحت وطأة الحصار، وانتهت بعد عامين بتأسيس رواية انتصار. فقد أشار شي إلى أن الجيش الأحمر عبر، بين أكتوبر 1934 وأكتوبر 1936، أكثر من عشر مقاطعات، فاتحاً فصلاً جديداً في الثورة الصينية، ووصف الحدث بأنه إنجاز ثوري ذو أهمية كبيرة في تاريخ الحزب والبلاد والجيش، وبأن تأثيره عميق في طريق إحياء نهضة الأمة الصينية.
وتتراكم دلالات الخطاب حين نقرأه بعناية. فقد شدد شي، وفق ماورد في وسائل الأعلام الصينية ، على أن القيادة الصحيحة للحزب وترسيخ المكانة الأساسية لماو تسي تونغ كانا عاملين حاسمين في النصر، وأكد أهمية دمج المبادئ الأساسية للماركسية بالواقع الصيني المحدد. ودعا إلى الإسراع في الإرتقاء بالقوات المسلحة إلى المعايير العالمية مع الإلتزام بالقيادة المطلقة للحزب عليها، وإلى المثابرة على الحوكمة الذاتية الكاملة والصارمة للحزب. وربط ذلك كله بهدف المئوية الثانية بناء دولة اشتراكية حديثة عظيمة عبر مسار صيني نحو التحديث. وقال إن طريق المسيرة الطويلة لا يزال ممتداً، وإن الجيل الحالي يخوض مسيرة طويلة جديدة.
فلماذا الآن؟ ولماذا تُستدعى مسيرة عمرها تسعة عقود في لحظةٍ تتحدث فيها بكين عن التنمية عالية الجودة والإزدهار المشترك وإدارة المخاطر؟ هل هو استدعاء للذاكرة أم صياغة للشرعية؟ وهل التاريخ في التجربة الصينية أرشيفٌ يُحفظ أم بوصلةٌ تُستخدم؟ وحين يقول شي إننا لا نستطيع خلق مستقبل أكثر إشراقاً إلا بتذكّر التاريخ، فمن يملك حق صياغة هذا التذكّر؟
وبالنسبة لقارئٍ يتابع العلاقات الصينية الأفريقية، فالسؤال يتجاوز الإحتفال. فالمجتمعات التي خرجت من الإستعمار والحروب تعرف معنى أن تبني سرديةً جامعة بعد الشتات. ومن زاوية القانون الدولي، فإن الدول التي تحوّل ذاكرتها إلى مشروع تنمية تفرض على شركائها أن يفهموا مرجعياتها قبل أن يفاوضوها. فهل نقرأ الصين بوصفها شريكاً اقتصادياً فحسب، أم بوصفها حضارةً تفكر في ذاتها عبر الزمن الطويل؟ وماذا لو كان فهم المسيرة الطويلة مدخلاً لفهم صبر بكين الإستراتيجي في أفريقيا؟
تبقى الأسئلة مفتوحة، هل تستطيع الذاكرة الثورية أن تظل محرّكاً لجيلٍ وُلد في زمن الرقمنة والعولمة؟ وأي مسيرة طويلة ننتظرها نحن، في ليبيا وأفريقيا، لنكتب سرديتنا قبل أن يكتبها غيرنا؟


