إقتصادالأمنالمجتمعدوليرأيرصدليبيا

قراءة في كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام قمة البريكس

 

 

16 سبتمبر 2026

بقلم لبنى يونس

 

جلستُ أتابع الكلمة كما يجلس المرء أمام نص يعرف أنه لن يقرأه مرة واحدة، فالخطاب الدبلوماسي، حين يصدر عن دولة بحجم الصين، لا يُقرأ بل يُفكَّك، جملة تلو جملة، حتى تُستخرج منه الرسالة من بين طيات المجاملة. وكلما توقفت عند العبارة الإفتتاحية (تحمل مسؤولية العصر معاً، وكون القوة الطليعية بشجاعة)، أدركت أن بكين هنا لا تصدر خطاباً بروتوكولياً عابراً، بل تعلن قراءة استراتيجية للحظة عالمية ترى فيها أن ميزان القوى آخذ في التبدل، وأن على من كان بالأمس ينتظر دوره في هامش القرار الدولي أن يتقدم اليوم إلى صدارته دون استئذان.

ثمة سؤال ظل يلحّ عليّ طوال القراءة، هل كلمة (المسؤولية)حين تُذكر في خطاب سياسي معنىً غير الذي نعرفه في استخدامها اليومي؟ فالمسؤولية في الخطاب السياسي كثيراً ما تُرفع شعاراً وتُهمل ممارسة، بينما الكلمة هنا، حين تُقرأ في سياقها، تبدو أقرب إلى محاسبة ذاتية معلنة، فهي لا تكتفي برفع الشعار، بل تسنده بحصيلة عشرين عاماً كاملة من العمل الجماعي، وكأن المتحدث يقول لمستمعيه، ولنا نحن القراء من الجنوب العالمي أيضاً، تعالوا نتحقق معاً مما إذا كانت الكلمات قد تحولت إلى وقائع.

ولأن العشرين عاماً في عمر الأمم لحظة عابرة، وفي عمر التجمعات الدولية دهر كامل، فقد اختار الخطاب أن يرويها لا كسرد تاريخي بارد، بل كحكاية ذات ثلاث محطات تتصاعد كما تتصاعد الحكايات الجيدة. محطة أولى عنوانها الإعتماد على الذات، حين اختارت دول البريكس أن تشق طريقها التنموي دون أن تستعير نموذجاً جاهزاً من أحد. ومحطة ثانية عنوانها المشاركة في السراء والضراء، حين وقفت هذه الدول صفاً واحداً أمام الأزمة المالية والجائحة والتغير المناخي، وكأن الأزمة المشتركة، كما هي الحال دائماً بين الأصدقاء الحقيقيين، لم تُفرّق بل جمعت. ومحطة ثالثة عنوانها النتائج المثمرة، حين تحول التجمع الرمزي إلى هيكل تعاون فعلي يُقاس بالتجارة والإستثمار والتكنولوجيا لا بالبيانات الختامية وحدها. وهذا التسلسل، بقدر ما هو أداة سردية، هو أيضاً حجة سياسية مبطنة، مفادها أن ما تحقق ليس صدفة عابرة، بل مسار واعٍ يستحق أن يُستكمل بثقة أكبر لا أن يُعاد التفكير فيه من نقطة الصفر.

ثم يأتي التوصيف الأكثر جرأة في الكلمة، حين يصف الرئيس الصيني المرحلة الراهنة بأنها (تغيرات غير مسبوقة منذ قرن)، ويضع في مواجهتها ثنائية واضحة، تعددية قطبية تتقدم بصورة لا تقاوم, من جهة، وتيارات أحادية وسياسات قوة تتصاعد من جهة أخرى. وهذه المواجهة ليست وصفاً محايداً لواقع دولي متأزم، بل هي تأطير يضع الصين ومعها دول البريكس في موقع من يقف مع اتجاه التاريخ، بينما يُترك الطرف الآخر في موقع من يقاوم هذا الإتجاه دون أن يُسمى صراحة. وهنا تكمن مهارة الخطاب الدبلوماسي الصيني المعتادة، أن يُبنى الموقف السياسي دون توجيه اتهام مباشر، تاركاً للسياق أن يوحي بما لا يُقال.

أما حين ينتقل الخطاب إلى الملفات الأربعة التي طرحها كأولويات، الإبتكار، والسلام والإستقرار، والتبادل الحضاري، وإصلاح الحوكمة العالمية، فإن أكثرها دلالة سياسية بالنسبة لقرائنا في هذا الجزء من العالم هو الثاني، حيث تحضر الإشارة إلى الشرق الأوسط والخليج بوصفها منطقة تشهد تغيرات معقدة ألحقت اضراراً فادحة بشعوبها. وهي صياغة تتعمد الغموض في تحديد الأطراف والمسؤوليات، لكنها في المقابل واضحة تماماً حين تتحدث عن القضية الفلسطينية بوصفها لُبّ قضايا الشرق الأوسط، وعن حل الدولتين بوصفه المخرج الوحيد المطروح. وهذا التوازن بين الغموض المتعمد في موضع والوضوح القاطع في موضع آخر، يعكس منطقاً دبلوماسياً يحرص على عدم استعداء أي طرف إقليمي، بينما يحسم موقفه الأخلاقي من القضية المركزية دون مواربة.

ولعل العبارة الأكثر حضوراً في الذاكرة من هذه الكلمة هي تلك الصورة البسيطة التي استحضرها الرئيس الصيني حين قال إن (لذة الحساء تكمن في مزج النكهات المختلفة)، في معرض حديثه عن التعايش بين الحضارات. وهذه الإستعارة المطبخية، على بساطتها الظاهرة، تحمل رسالة سياسية عميقة مفادها أن التنوع بين دول البريكس ليس عائقاً أمام تماسكها، بل هو مصدر قوتها وسر جاذبيتها لدول الجنوب العالمي التي ترى في هذا التجمع نموذجاً لا يفرض نمطاً واحداً على أعضائه.

وفي المحصلة، وأنا أطوي هذا النص كما تُطوى الرسائل المهمة التي تحمل أكثر مما تقوله ظاهرياً، أخلص إلى أن هذه الكلمة، بما تحمله من ثقة في المسار وحذر في الصياغة وطموح في استشراف العقد الذهبي الثالث، تكشف أن الصين لا تنظر إلى رئاستها القادمة لقمة البريكس كأستحقاق بروتوكولي، بل كفرصة لإعادة تعريف موقع الجنوب العالمي في معادلة القوة الدولية، بخطى محسوبة تراكم الإنجاز دون أن تستعجل المواجهة. وربما كان هذا، في نهاية المطاف، أكثر ما يستحق أن نتعلمه، أن الصبر الإستراتيجي ليس ضعفاً، بل هو أحياناً أرقى أشكال القوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى