
بقلم لبنى يونس
17 سبتمبر 2026
حين تستمع إلى محاضرة تشرح كيف انتقلت الصين من مجرد حماية البيئة كإجراء علاجي إلى تبنّي الحضارة الإيكولوجية كرؤية شاملة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، يصعب أن تفصل الإنصات الأكاديمي عن القلق الشخصي على مدينتك التي تفقد رئتها الخضراء عاماً بعد عام. فالمحاضرة التي قدمتها الأستاذة يي ليانغ يينغ من جامعة الدراسات الأجنبية ببكين لم تكن مجرد عرض لمفهوم فلسفي صيني، بل كانت مرآة كاشفة لما آلت إليه طرابلس وما يحيط بها من أحزمة خضراء تحولت إلى ركام إسمنتي.
تستحضر الأستاذة يي في محاضرتها المقولة الشهيرة للرئيس الصيني شي جين بينغ: الجبال الخضراء والمياه النقية هي جبال من الذهب والفضة. والمعنى هنا لا يقف عند حدود الإستعارة الشعرية، بل يذهب إلى قلب المعادلة الإقتصادية ذاتها، إذ تكف الطبيعة عن أن تكون خلفية جمالية للتنمية لتصبح رأس مالها الحقيقي؛ فالغابة والنهر والهواء النظيف ثروة استثمارية بقدر ما هي إرث بيئي، تتحول عبر السياحة البيئية والزراعة المستدامة والصناعة النظيفة إلى قيمة اقتصادية ملموسة. وقد مر هذا الإدراك، كما أوضحت المحاضِرة، بثلاث مراحل متعاقبة داخل الصين نفسها مرحلة أولى ضحّت فيها بالبيئة من أجل النمو السريع تحت شعار نريد المال بأي ثمن، ثم مرحلة ثانية سعت إلى التوازن بين جبال الذهب والجبال الخضراء معاً، لتستقر أخيراً على القناعة الراسخة التي تبناها شي جين بينغ بأن الجبال الخضراء نفسها هي جبال الذهب، أي أن البيئة ليست عبئاً على التنمية بل هي التنمية بعينها.
الترجمة العملية لهذا الفكر لم تبق حبيسة الخطاب، بل تحولت إلى برامج ميدانية غيّرت وجه مساحات شاسعة من الأرض الصينية. فقد ارتفع الغطاء الحرجي في البلاد من 8.6 بالمائة عام 1949 إلى ما يفوق 24 بالمائة اليوم، عبر أكبر برنامج إعادة تشجير عرفه العالم، حتى إن المساحة المستعادة من الغابات باتت تعادل مساحة فرنسا بأكملها. وفي صحراء كوبوتشي بمنغوليا الداخلية، إحدى أكثر الصحاري قسوة، تحولت الرمال إلى أراضٍ منتجة عبر شراكة ثلاثية جمعت الحكومة والقطاع الخاص والسكان المحليين، ليصبح النموذج مرجعاً معتمداً لدى الأمم المتحدة يُدرَّس ويُنقل إلى أفريقيا والعالم العربي. أما في سايهانبا بمقاطعة خبي، فقد صمدت أجيال متعاقبة على مدى ستين عاماً حتى حوّلت صحراء قاحلة كانت مصدراً للعواصف الرملية باتجاه بكين إلى غابة تمتد على نحو 920 كيلومتراً مربعاً، فنالت عن جدارة جائزة “أبطال الأرض” من الأمم المتحدة.
وما يعنينا نحن، في هذا الجزء من العالم العربي المُثقل بالجفاف والتصحر، هو أن هذه التجربة لم تُقدَّم كإنجاز صيني منعزل، بل كدعوة صريحة للشراكة. فالتحديات التي تواجهها دول الخليج في اعتمادها الكبير على تحلية المياه، وما تواجهه دول عربية أخرى من زحف الرمال وتدهور الأراضي الزراعية، تجد في الخبرة الصينية من تقنيات الري الموفر إلى نماذج التمويل الأخضر وسوق تداول الكربون أدوات عملية قابلة للتكييف مع الظروف المحلية، لا وصفة جاهزة تُستنسخ بحذافيرها.
وهنا تحضر ليبيا بثقلها الخاص في هذا المشهد. فبلادنا التي عرفت يوماً أحزمة خضراء تطوّق العاصمة طرابلس وتكسر حدة الرياح القادمة من الجنوب، شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعاً متسارعاً في هذا الغطاء النباتي، سواء عبر قطع جائر للأشجار لم يقابله تعويض حقيقي، أو عبر تحويل مساحات واسعة من الحزام الأخضر والمزارع المحيطة بالمدن إلى كتل عمرانية عشوائية توسعت دون رقيب. والنتيجة ماثلة أمام أعيننا جميعاً،ازدياد كثافة العواصف الترابية وارتفاع منسوب الأتربة المعلقة في سماء العاصمة في مواسم لم تكن معروفة بهذه الحدة من قبل، ذلك أن التربة العارية من غطائها النباتي تفقد قدرتها على تثبيت نفسها، فتتحول أول ما تهب الرياح إلى غبار يطال الصحة العامة قبل أن يطال جودة الهواء ومنظر المدينة.
الدرس الذي تقدمه التجربة الصينية هنا ليس في تفاصيلها التقنية بقدر ما هو في منطقها الأساسي أن استعادة الغطاء الأخضر ليست ترفاً بيئياً مؤجلاً، بل استثمار مباشر في الإقتصاد والصحة العامة وجودة الحياة معاً، وأن ما بدا في الصين صحراء ميؤوساً منها تحول خلال عقود إلى غابة ومقصد سياحي بفضل إرادة سياسية متماسكة وتخطيط علمي طويل النفس، لا بمعجزة عابرة. وليبيا، بما تمتلكه من خبرات زراعية تاريخية في أحزمتها الساحلية وبما يتيحه التعاون القائم مع الصين من قنوات مفتوحة لنقل المعرفة والتقنية، ليست بعيدة عن أن تضع استعادة حزامها الأخضر على سلم أولويات حقيقي، لا أن تظل هذه القضية شعاراً موسمياً يتكرر مع كل موجة غبار خانقة ثم يُطوى مع هدوء الريح.


