ريتشاو ..شروق يوقظ البحر ومصنع لا ينام

31 أكتوبر 2026
بقلم لبنى يونس
فتحتُ الستارة قبل أن يطلع النهار وأنا أظن أنني سأرى بحراً. رأيتُ ما هو أكبر منه. كان الأفق خطاً رمادياً ساكناً، ثم انشقّ عن شريط ذهبي رفيع، و خرجت الشمس من الماء كأنها تُولد للمرة الأولى. وقفتُ عند النافذة ولم أتحرك. لم أرَ في حياتي شروقاً أجمل من هذا، ولا أظنني سأرى. وحين سألتُ عن معنى أسم المدينة، ريتشاو، قالوا إنه يحمل في الصينية معنى سطوع الشمس وإشراقها. هكذا تسمّي المدينةُ نفسها قبل أن يسألها أحد.
وفي الساعة نفسها، وعلى مسافة غير بعيدة من تلك النافذة، كانت أفران الصلب تشتعل. بحرٌ يهمس وفرنٌ يزأر، وشروقٌ يُغري بالصمت ومصنعٌ يُغري بالأرقام. أيّهما شاندونغ؟ كنتُ أظن أن عليّ أن أختار.
لذلك جلستُ اليوم في بكين أمام صندوق ذكرياتي عن المقاطعة عاجزة عن اختيار أول ما أخرجه منه. هل أبدأ بلينيي التجارية، أم بالمسرح الذي أدهشني في لانغيا، أم بالحديد والصلب، أم بالشاي، أم بالمدينة التي تُفرش فيها الفنادق قبل أن تُبنى؟ ثم فهمتُ أن عجزي هذا هو أصدق ما في الأمر. مقاطعة تجمع هذا كله بين ذراعيها لا تُختصر في عنوان واحد.
أبدأ من المسرح. في مساء وصولنا الأول، وبعد رحلة قطار طويلة من بكين، ذهبنا مباشرة إلى مدينة لانغيا القديمة، وظننتُ أن العرض سيكون مجاملة للضيوف المتعبين. أُطفئت الأضواء، ثم انفتح المسرح على ما لم أتوقعه مشهد مهيب لقلعة عملاقة وعرض لا يمكن وصفه في مقال واحد ،نسيتُ تعبي، ونسيتُ هاتفي، وأدركتُ أنني أرى بلداً يروي قصته بالفن قبل أن يرويها بالأرقام. حضارة قديمة تُخرج للضيف أجمل ما فيها ولا تعتذر عن عمرها.
وفي صباح اليوم التالي جاءت الأرقام. قلتُ لنفسي إن المسرح مسرح والإقتصاد اقتصاد، لكن الأرقام كانت هي الأخرى فصلاً من الحكاية. تقول البيانات الرسمية لمدينة لينيي التجارية عن عام 2025 إن معاملات أسواقها بلغت 708.53 مليار يوان، وإن خدماتها اللوجستية بلغت 1082.99 مليار، وإن تجارتها الخارجية بلغت 124.52 مليار بنمو يقارب 8.5%. ومررتُ بين أروقة مدينة لوازم الفنادق، حيث يمكن لمن يريد أن يؤثث فندقاً كاملاً أن يفعل ذلك من باب واحد. ثم وقفتُ أمام آلات البناء الضخمة في مصنع لينغونغ، فشعرتُ بحجمي الحقيقي.
تأملتُ المفارقة وأنا أمشي بين تلك الآلات. هذه المدينة بدأت سوقاً، والسوق في العادة يبيع ما يصنعه غيره. لكنها لم ترضَ أن تبقى جسراً تعبر عليه بضائع الآخرين، فاختارت أن تكون وجهة. وفي اليوم التالي، في افتتاح مؤتمر المشترين الدولي، رأيتُ أن الوجهة اتسعت إلى عالم يأتي إليها، أكثر من ألفي مشترٍ دولي كما قيل في حفل مراسم الإفتتاح.
ثم انتقلنا إلى ريتشاو، وهناك زادت المفاجأة. المقاطعة التي تصهر الحديد هي نفسها التي كانت تحدثني في شركة بلو كاربون عن الطاقة الجديدة، وفي شركة يونغلي عن مركبات المستقبل. وبين مجمعات الصلب وحقول الشاي، في الريف الذي تفوح منه رائحة الورق الأخضر، لم أجد تناقضاً بل حواراً. الصلب لا يخجل من الشاي، والشاي لا ينظر بدونية إلى المصنع.
أسأل نفسي الآن في بكين، والصندوق مفتوح أمامي كيف تحمل أرض واحدة هذا القدر من الأضداد دون أن تتمزق؟ ما الذي يجعل مدينة تُوقد أفرانها عند الفجر تلتفت إلى الشمس وهي تشرق فوق البحر؟ هل الإقتصاد الناجح هو الذي يصنع الأشياء، أم الذي لا ينسى لماذا يصنعها؟ وهل تُقاس عظمة المقاطعات بما تُنتجه، أم بما تحافظ عليه فيها من الجمال وهي تنتج؟
لا أملك إجابة. أملك شروقاً وقف أمامي ذلك الصباح، وسؤالاً أحمله معي في القطار .



