من الورقة إلى الصناعة..في ريتشاو، يكتب الفلاحون الشعر ويزرعون الشاي

بقلم لبنى يونس
في بلدة قاوشينغ بمدينة ريتشاو، ألّف فلاحون أكثر من ستمئة قصيدة. لم يكتبوها عن الحب ولا عن الغياب، بل عن النهوض بالريف والفضيلة والثقة. هل تتخيّلون أن تكون للأرض شاعرية بهذا الحجم؟ هل تتخيّلون أن يُعلَن عن جمعية شعرية للفلاحين، تحمل أسم السحابة البيضاء، في بلدة لا تعرفها خرائط السياحة بعد؟
لم يبدأ الأمر بالشعر. لقد بدأ بورقة. ورقة شاي واحدة، نُقلت من الجنوب إلى الشمال في مغامرة سُمّيت نقل الشاي الجنوبي إلى الشمال، ثم صار لها، بعد سنوات، منطقة كاملة تحمل أسم تشاشيانغ فنغمينغ، وتمتد على 18.27 كيلومتراً مربعاً، وتضم أثنتي عشرة قرية وأكثر من ثمانية آلاف إنسان، وتقوم على استثمارات تبلغ 319 مليون يوان. وتحيط بالقرى مزارع شاي تبلغ مساحتها خمسة عشر ألف مو.
لكن المساحة لا تصنع حكاية. الحكاية في ما فعلوه بها. فقد جددوا قاعدة بعشرة آلاف مو من المزارع العالية الجودة والكفاءة، ومدّوا حولها ما سمّوه حزام الشاي الأخضر المتميز في ريتشاو. ثم استعانوا بحديقة ريتشاو النموذجية للإبتكار التكنولوجي في الشاي، فاشتغلوا على ما لا يراه الزائر العابر، اختيار السلالات الجيدة، والسيطرة الخضراء على الآفات، والزراعة داخل المرافق، والمعالجة العميقة. لم يتوقفوا عند الورقة، بل ذهبوا إلى ما بعدها،أطعمة بنكهة الماتشا، ومشروبات الشاي، وآلات الشاي، وضروريات يومية تُصنع من الشاي. أليس هذا ما يُسمّى انتقالاً من الزراعة إلى الإقتصاد؟
ثم جاءت الخطوة التي يُغفلها كثيرون. فقد أدركوا أن الشاي لا يُباع بمذاقه وحده، بل بحكايته. فأقاموا مشاريع تحوّل المزرعة إلى وجهة، مزرعة بيبو للشاي، وصالة لإستقبال الضيوف في بلدة الشاي، ومدينة للملاهي، وحديقة للشاي الأخضر. وصوّروا أفلاماً وثائقية عن رحلة الشاي، وصلت عبر تلفزيون هونغ كونغ الفضائي إلى أكثر من مئة وخمسين دولة، تروي كيف صارت الورقة في لانشان صناعة متكاملة. أترون كيف يجتمع الإنتاج والسياحة والإعلام في دورة واحدة؟
وتحت هذا كله، شيء أقل ضجيجاً وأعمق أثراً. فقد أطلقوا مشروعاً لإدارة المياه في حوض النهر الصغير بجبل بايون لزيادة قدرة التخزين وتحسين مرافق الري، ورفعوا مستوى الطرق داخل القرى، وأناروها وخضّروها، حتى صارت كلها قرى جميلة على مستوى المدينة فما فوق. وأنشأوا علامة الفناء الجميل ، وفرزوا نفاياتهم، وبنوا شبكات للصرف الصحي ومرافق للمعالجة، وبلغت نسبة الأسر النموذجية فيها أكثر من سبعين في المئة. ليست هذه تفاصيل جانبية، بل هي الأساس الذي تقف عليه الحكاية.
وبعد أن تراكمت الأدلة، يصير الحكم أيسر: لقد تحولت مناطق الشاي إلى مناطق سياحية، ومزارعه إلى حدائق عامة، وجباله إلى جبال من الذهب. لم يُهدموا شيئاً، ولم يستوردوا شيئاً. أخذوا ما في الأرض، ومنحوه حكاية وعلماً وتنظيماً.
لكن الأسئلة لا تنتهي هنا. كم من الأرض الطيبة حولنا تنتظر من يرى فيها أكثر من محصول؟ وكم من قرية تملك ورقتها، ولا تملك من يحوّلها إلى صناعة؟ وهل المعضلة في الموارد أم في الإدارة والرؤية والصبر؟ وإذا كانت ورقة شاي انتقلت من الجنوب إلى الشمال فصارت منطقة تنبض بالحياة، فما الذي يمنع أن تجد الخبرات طريقها إلى ربوع بلادنا، فتصير الشراكة مع الصين جسراً للمعرفة قبل أن تكون جسراً للتجارة؟



