إقتصاددوليرأيليبيامال و أعمالمقالات رأي

على الأرض ,,ما بنته الصين فعلا.

 

 

بقلم لبنى يونس

أغمض عينيك لحظة. تخيّل أنك تقف في قلب أديس أبابا عام 2010 , المدينة تختنق بأزدحام لا يُطاق، والطريق من المطار إلى المركز يستغرق ساعات في بعض الأيام. ثم أفتح عينيك على عام 2018 القطار يمر من أمامك بهدوء، ناقلاً البضائع والركاب من العاصمة إلى الميناء في عشر ساعات بعد أن كانت سبعة أيام كاملة. ما الذي تغيّر؟ الجواب في كلمة واحدة، الصين.

الكثير يتحدثون عن المبادرة الصينية في أفريقيا من وراء الشاشات والتقارير. لكن الحقيقة الأعمق تكمن في الأرض نفسها في الطرق التي شُقّت، والجسور التي بُنيت، والمستشفيات التي فتحت أبوابها في مناطق لم تعرف الرعاية الصحية من قبل.

في إثيوبيا، بلد لا يملك منفذاً بحرياً، كانت التجارة رهينة طرق ترابية تتحوّل إلى وحل في الموسم الممطر. ثم مدّت الصين خط السكة الحديد الكهربائية الأول في شرق أفريقيا ، 752 كيلومتراً تربط أديس أبابا بميناء جيبوتي، بتكلفة إجمالية ناهزت أربعة مليارات دولار بتمويل صيني. مزارع في أوروميا يستطيع اليوم أن يرسل محصوله إلى السوق قبل أن يفسد. تاجر في أديس أبابا يستلم بضاعته في اليوم التالي بدل أن ينتظر أسابيع. هذه ليست أرقاماً في تقرير هذه حياة ناس تغيّرت.

وفي كينيا، كان حلم سكة الحديد الحديثة يجمع الكينيين منذ الإستقلال. خط يربط نيروبي بميناء مومباسا، أكبر موانئ شرق أفريقيا، عرضوه على المؤسسات الدولية مرات ومرات، فجاءهم الجواب دائماً بشروط عسيرة أو بتقارير تشكّك في الجدوى الإقتصادية. ثم جاءت الصين ،في 2017، انطلق القطار ، 472 كيلومتراً اختصرت رحلة كانت تستغرق اثنتي عشرة ساعة بالسيارة إلى أربع ساعات ونصف. وصفه الرئيس الكيني آنذاك بأنه (إنجاز لم تحققه بلادنا منذ الإستقلال ) ثمانية وتسعون بالمئة من التكلفة تمويل صيني , قرض. وهنا يطرح البعض سؤال الديون. وهو سؤال مشروع تماماً، لكن السؤال الذي لا يُطرح بالقدر ذاته ما البديل؟ هل كانت كينيا ستظل تنتظر إلى الأبد قطاراً وُعدت به ولم يأتِ؟

وفي نيجيريا، أكبر اقتصادات القارة، كانت الكهرباء رفاهية لا حقاً. المصانع تعمل بالمولدات، والمستشفيات تخشى انقطاع التيار في منتصف العمليات، والمواطن العادي يحسب ساعات الكهرباء كما يحسب الجرعات الدوائية. دخلت الصين بمشاريع لتطوير شبكة الطاقة، ومحطة زونغيرو للطاقة الكهرومائية أضافت طاقة إنتاجية ملموسة لشبكة كانت تئن تحت الضغط، إلى جانب شبكة من الطرق والجسور ربطت مناطق ظلت معزولة عن الإقتصاد الوطني عقوداً. والمفارقة اللافتة أن نيجيريا تمتلك من الثروات النفطية ما يكفي لتمويل كل هذا عشرات المرات لكن عقوداً من الإعتماد على نماذج تنموية لم تُنجز ما أنجزته الشراكة الصينية في سنوات قليلة.

وراء كل رقم في هذه التقارير إنسان. طالبة في أديس أبابا تصل إلى جامعتها في وقتها. تاجر في مومباسا يرسل بضاعته ويعود في اليوم ذاته. قرية نيجيرية رأت الكهرباء لأول مرة في تاريخها. هذا ليس خطاباً ترويجيا، هذا ما يحدث على الأرض فعلاً.

ويبقى السؤال قائماً ومشروعاً لماذا حين يبني أوروبي مدرسة في أفريقيا يُسمى متبرعاً كريماً، وحين تبني الصين سكة حديد يُقال إنه استعمار جديد؟ أين المعيار الحقيقي في الفعل أم في هوية الفاعل؟ فالحكم على أي شراكة تنموية ينبغي أن ينطلق من أثرها الفعلي على حياة الناس، لا من هوية من قدّمها. وهذا لا يعني أن كل تجربة صينية في أفريقيا بلغت درجة الكمال فبعض العقود استحقت المراجعة، وبعض الشروط كانت أشد مما ينبغي. لكن الصورة الكاملة، حين تُقرأ بموضوعية، تكشف عن شراكة حقّقت لملايين الأفارقة ما عجزت عقود من الوعود السابقة عن تحقيقه.

أفريقيا اليوم لم تعد قارة تنتظر الإذن لتختار شركاءها. وهذا بالضبط ما يُربك من اعتادوا أن يكونوا الخيار الوحيد المتاح وهو سؤال يستحق أن يبقى مفتوحاً.

الحلقة القادمة:- ليبيا والحزام والطريق , ماذا وقّعنا فعلاً؟ وما الذي لم يُقَل بعد عن مسار الشراكة الليبية الصينية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى