
بقلم لبنى يونس
في عام 476 ميلادي، لم يسقط جندي روماني واحد في ساحة معركة تليق بعظمة روما. سقطت الإمبراطورية التي حكمت العالم لقرون في لحظة هادئة مخزية حين أُجبر آخر أباطرتها رومولوس أوغستولوس على التنازل عن عرشه لقائد جرماني من داخل جيشه لم يكلّف نفسه حتى عناء الاحتفال بالانتصار. لم تكن هزيمة عسكرية بقدر ما كانت إفلاساً حضارياً شاملاً. الخزائن كانت خاوية، والجيوش مستأجرة، والشعب منهكاً من ثقل إمبراطورية امتدت حتى فقدت القدرة على حماية نفسها.
وبعد نحو ألف عام، كانت القسطنطينية تحتضر بدورها. الإمبراطورية العثمانية التي ورثت عرش روما الشرقية وأضافت إليه آسيا وأفريقيا والجزيرة العربية، يرى عدد من المؤرخين أن التوسع العسكري المفرط، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والإدارية وصعود الحركات القومية في أطراف الدولة، كان من أبرز العوامل التي أنهكتها جيوش تنزف في جبهات متزامنة، وخزائن تُستنزف بإنفاق لا يتوقف، وممتلكات أوروبية ضاعت معظمها خلال حروب البلقان. وحين جاء الانهيار بعد الحرب العالمية الأولى، لم يكن مفاجئاً, كان محصلة عوامل تراكمت على مدى عقود لإمبراطورية راهنت على القوة ونسيت أن تبني شراكات حقيقية.
قصتان، عمران مختلفان، وخاتمة واحدة.
فما الذي يجمع روما والعثمانيين وعشرات الإمبراطوريات التي سبقتهما وتلتهما في مقبرة التاريخ؟
هل كان غياب الجيوش القوية؟ لا .. روما بنت أعظم جيوش عرفها العالم القديم، والعثمانيون حاصروا فيينا مرتين. هل كان غياب الثروة؟ لا ..كانت خزائنهم في أوج عظمتهم من أغنى ما عرفته البشرية. هل كان غياب العلم والحضارة؟ لا .. القانون الروماني لا يزال يُدرَّس في كليات الحقوق حتى اليوم، والعثمانيون احتضنوا في أوج ازدهارهم علوماً وفنوناً لم تبلغها أوروبا.
ما كان غائباً كان شيئاً أبسط وأعمق في آنٍ واحد.
كان غائباً فهم أن القوة وحدها لا تبني حضارة دائمة، وأن الإمبراطوريات التي آثرت الغزو على الشراكة، والهيمنة على التبادل، والخوف على الثقة، كانت تبني على رمال متحركة مهما بدت صروحها شامخة.وهنا يأتي السؤال الذي طالما تجاهله المؤرخون.
لماذا صمدت الحضارة الصينية؟
خمسة آلاف عام من الاستمرارية الحضارية. سلالات تعاقبت وتحوّلت وأعادت بناء نفسها، وانقسامات داخلية تجاوزتها في كل مرة. ومع ذلك، وعلى مدى هذا التاريخ المديد كله، حافظت الحضارة الصينية على استمرارية ثقافية وحضارية نادرة لم تعرفها إمبراطوريات أخرى سقطت ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.
لكن هذا الصمود الحضاري لم يحمِها حين جاء الآخرون بالمدافع.بين عامَي 1839 و1949، عاشت الصين ما باتت تسميه(قرن الإذلال)مائة عام من الغزو والمعاهدات المجحفة وتسليم الموانئ والأراضي. بريطانيا أطلقت مدافعها على نهر اليانغتسي لتفتح أسواق الصين أمام الأفيون. اليابان انتزعت تايوان وامتدت إلى منشوريا. والقوى الكبرى تقاسمت موانئ الصين كأنها ملكية مشتركة.
ومع ذلك عادت الصين.لم تعد بالانتقام، ولم تعد ببناء إمبراطورية استعمارية تعوّض ما فقدته، ولم تعد بالنزعة التوسعية التي أسقطت روما والعثمانيين قبلها. عادت بشيء مختلف تماماً بالحكمة التي صنعتها آلاف السنين من التجربة الإنسانية المتراكمة، وبسؤال عميق طرحه التاريخ وقررت أن تجيب عليه كيف تبقى؟
وفي الأول من يوليو 1921، في غرفة صغيرة في شنغهاي، اجتمع ثلاثة عشر مندوباً يمثلون نحو خمسين عضواً للحزب الوليد لم يكن أحد يعلم أن اجتماعهم سيغير وجه العالم. كانت الصين حينها في أعمق نقاط قرن إذلالها مُجزَّأة السيادة، تنزف من كل جهة. لم يملك هؤلاء المندوبون جيشاً ولا خزينة ولا دولة. ملكوا فقط سؤالاً واحداً كيف تنهض أمة تتعلم من التاريخ بدلاً من أن تكرره؟
مائة وخمس سنوات لاحقة، والحزب الشيوعي الصيني الذي وُلد في تلك الغرفة الصغيرة يقود اليوم أكبر تجربة تنموية في تاريخ البشرية. لم يبنِ إمبراطورية على النمط الروماني أو العثماني بنى شراكات. لم يُصدِّر عقيدة بالقوة صدَّر مشاريع. والفارق بين النهجين كبير بقدر ما يفصل بين حضارة دامت وحضارة اندثرت.الجواب لم يكن سراً.
الحضارات التي بقيت لم تكن الأقوى بالضرورة كانت الأذكى في بناء الشراكات. الحرير الصيني وصل إلى روما حين كانت المعرفة الجغرافية بين الحضارتين لا تتجاوز الأساطير والإشاعات التجارية تجارة سبقت السياسة وأقامت جسوراً لم تبنها الجيوش. طريق التوابل ربط حضارات لم تلتقِ جيوشها يوماً. والتجارة بنت جسوراً صمدت أمام الزمن أطول مما صمدت أمامه كل الجيوش مجتمعة.
الصين ورثت هذا الدرس من صميم تاريخها، وهو الدرس ذاته الذي أعادت صياغته في مبادرة الحزام والطريق عام 2013، قبل أن يُطوِّره الحزب الشيوعي الصيني بعمق أكبر في وثيقته الأحدث الكتاب الأبيض لعام 2026 حول بناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً.
فكيف يرى الحزب الشيوعي الصيني العالم اليوم؟
يقرأ المتأمل في الكتاب الأبيض ثلاثة أعطاب بنيوية في النظام العالمي الراهن شرعية مهزوزة حين تتجاهل بعض القوى الكبرى مقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وفعالية ناقصة حين تبقى القرارات حبراً على ورق، وتمثيل منقوص حين تحتكر قلة من الدول صياغة مصير العالم بأسره.
في مقابل ذلك، يطرح الحزب خمسة مبادئ لحوكمة عالمية مختلفة المساواة في السيادة، وسيادة القانون الدولي، وتعددية الأطراف الحقيقية، والإنسان في قلب كل معادلة، والخطوات العملية الملموسة بديلاً عن الشعارات الفارغة.
هذه ليست فلسفة مجردة هي عقيدة مستخلصة من قرن الإذلال نفسه. الصين التي عرفت ماذا يعني أن تُفرض عليها معاهدات غير متكافئة، لا تجد في نظام دولي قائم على الهيمنة مصلحةً لا لها ولا لعالم يضم أكثر من ثمانية مليارات نسمة.
ولعل أكثر ما يستوقف القارئ المتأمل في الكتاب الأبيض هو حديثه عن (الجنوب العالمي) ذلك المصطلح الذي بات يحمل ثقلاً سياسياً متصاعداً. يقول الكتاب صراحةً إن دول الجنوب باتت تساهم بأكثر من 60 بالمئة من الاقتصاد العالمي وفق تعادل القوة الشرائية، وبنحو 80 بالمئة من النمو الاقتصادي العالمي وأن احتكار قلة من الدول للشؤون الدولية لم يعد ممكناً، بل يجب تصحيح الظلم التاريخي المتراكم منذ زمن بعيد.
هذه ليست لغة دبلوماسية مخففة هذه لغة من يحمل ذاكرة.
ويذهب الكتاب أبعد من ذلك حين يميز بين نوعين من التعددية تعددية تُعلَن في الخطب وتُمارَس فيها الأحادية خلف الكواليس، وتعددية حقيقية تعني أن الشؤون الدولية تُدار بالتشاور المشترك بين الجميع، وأن مصير العالم يتحدد بيد جميع الدول. الفارق بين النوعين هو بالضبط الفارق بين إمبراطورية تدّعي أنها تحكم بأسم الحضارة وإمبراطورية تبني الطرق وتترك لكِ مفاتيح البوابة.
وفي سياق الذكرى الـ105 تحديداً، يورد الكتاب جملة لافتة إن الحزب الشيوعي الصيني منذ تأسيسه ظل يتحمل مسؤولية التقدم للبشرية وتحقيق الوئام العالمي. مائة وخمس سنوات من سؤال واحد لم يتغير كيف تخدم العالم دون أن تهيمن عليه؟ وهو السؤال الذي يجعل هذا الكتاب الأبيض وثيقةً تاريخية بإمتياز، لا مجرد بيان سياسي.والأرقام هنا تتحدث بلغة لا تحتاج تفسيراً.
وبحسب ما أورده الكتاب الأبيض، فقد حظيت مبادرة الحوكمة العالمية بدعم قرابة 160 دولة ومنظمة دولية فور إطلاقها، وانضمت أكثر من 60 دولة إلى مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية. كما تُصنِّف تقارير الأمم المتحدة برامج مكافحة الفقر المدقع في الصين ضمن أكبر وأسرع برامج التنمية في التاريخ الحديث.
قد يقول قائل إن بعض هذه الأرقام تصدرها جهة ذات مصلحة. وهذا حق جزئياً. لكن السؤال الأدق هو من يملك حق النقد الموضوعي؟ من استُشير حين رُسمت خرائط أفريقيا في برلين عام 1884؟ هذا ليس هجوماً على أحد بل هو استحضار للتاريخ كما دوّنه المؤرخون أنفسهم، والتاريخ لا يُتهم، يُقرأ. وتؤكد الصين في خطابها الرسمي كما جاء صريحاً في الكتاب الأبيض احترامها لسيادة الدول وعدم فرض نموذج سياسي بعينه، وهو مبدأ يتردد في كل صفحة من صفحاته.
ولا يعني ذلك أن هذه الرؤية بمنأى عن النقاش أو التساؤل لكنها تمثل الإطار الفكري الذي تعلن الصين أنها تنطلق منه في تعاملها مع النظام الدولي. وهو إطار يستحق القراءة المتأنية، لا الرفض المسبق ولا القبول الأعمى.
عام 476 انهارت روما لأنها لم تتعلم من تمددها المفرط. وبعد نحو ألف عام تفككت الإمبراطورية العثمانية لأن تراكم الأزمات كان أقوى من قدرتها على الإصلاح. وعام 1949 قام الرئيس ماو تسي تونغ أمام الجمعية التشاورية السياسية للشعب الصيني وأعلن بصوت من عاش الإذلال وأصرّ على النهوض(لن تكون أمتنا بعد الآن أمةً تخضع للإهانة. لقد وقفنا.)
المسألة ليست من يقف اليوم ومن يجلس. المسألة هي على أي أرض يقف؟
التاريخ يقول إن الأرض الوحيدة الصلبة كانت دائماً أرض الشراكة المتكافئة، لا أرض الهيمنة المنفردة.
وهذا بالضبط ما يحاول الكتاب الأبيض أن يقوله لمن يريد أن يسمع.
