إقتصاددوليرأيسياسةليبيامال و أعمالمقالاتمقالات رأي

ليبيا والحزام والطريق ماذا وقّعنا فعلاً؟

 

 

بقلم لبنى يونس

في الحادي عشر من يوليو 2018، داخل قاعة اجتماعات في بكين تفوح منها رسميةٌ لا تخطئها العين، جلس وزير خارجية حكومة الوفاق الليبية محمد سيالة في مواجهة نظيره الصيني وانغ يي. على الطاولة بين الرجلين وثيقة واحدة مذكرة تفاهم تنضم بموجبها ليبيا رسمياً إلى مبادرة الحزام والطريق, وُقِّعت, صُوِّرت, ونُشرت في البيانات الرسمية. ثم؟

ثم جاء الصمت.

ليس صمت الرفض، ولا صمت الإهمال بل صمت دولة كانت تحترق من الداخل ولا تملك ترف التخطيط للمستقبل. عام 2018 لم يكن عاماً ليبياً للبناء كان عاماً للبقاء. والصين من جهتها لم تنسَ أنها أخلت ستةً وثلاثين ألف مواطن من ليبيا عام 2011 حين اندلعت الحرب وأوقفت مشاريعها التي كانت تغطي نحو خمسين عقداً في البنية التحتية والإسكان والطاقة. التوقيع كان أشبه بصافرة البداية في ملعب لا يزال يُبنى.

والسؤال الذي يستحق الوقوف عنده ليس لماذا وقّعنا؟ بل ماذا وقّعنا فعلاً؟

مذكرة التفاهم في جوهرها إطار تعاون لا التزام تنفيذي, هي باب مفتوح لا مشروعاً منجزاً. دول كثيرة وقّعت الوثيقة ذاتها ثم تحوّلت إلى شراكات حقيقية غيّرت ملامح بنيتها التحتية وأخرى وقّعتها وظلت توقيعاً في درج. الفارق بين النوعين لم يكن في الصين كان في الدولة نفسها، في قدرتها على ترجمة الورقة إلى مشروع وإلى إرادة سياسية مستدامة.

وليبيا منذ 2018 حتى اليوم تسير ببطء نحو الترجمة الفعلية. في 2024، وعلى هامش منتدى التعاون الصيني الأفريقي، أعلنت ليبيا الشراكة الإستراتيجية مع الصين وهو مستوى أعلى من مذكرة التفاهم، ويضع العلاقة في إطار مختلف. جرى الحديث عن تفعيل ثمانية عشر اتفاقية ثنائية كانت موقوفة. وتحرّكت ملفات عملية لم تكن تتحرك من قبل منها دعوة شركات صينية لدراسة تطوير ميناء الزاوية، وإعادة تفعيل الغرفة الإقتصادية الليبية الصينية التي ظلت سنوات طويلة حبراً على ورق.

هذا ليس إنجازاً مكتملاً لكنه حركة حقيقية بعد سنوات من الجمود.

ويبقى السؤال الأعمق ماذا تريد ليبيا من هذه الشراكة فعلاً؟ الجواب على هذا السؤال لا تملكه الصين تملكه ليبيا وحدها. الصين بنت في إثيوبيا لأن إثيوبيا عرفت ماذا تريد وجلست على طاولة التفاوض بملف واضح. وبنت في كينيا لأن كينيا حوّلت حلمها القديم إلى خطة وإلى أرقام ,إلى جدول زمني. والمشاريع الكبرى لا تأتي إلى فراغ تأتي إلى إرادة.

ليبيا تجلس اليوم على بوابة القارة شمالاً إلى البحر المتوسط وجنوباً إلى عمق أفريقيا. هذا الموقع الجغرافي ليس ميزة تسويقية بل حقيقة استراتيجية يدركها كل من يرسم خرائط التجارة العالمية. والصين التي تبني طرق الحرير الجديدة تعرف جيداً أين تقع طرابلس على خريطتها؟.

السؤال ليس إن كانت الصين ستأتي السؤال هو حين تأتي، هل ستجد ليبيا جاهزة؟

الحلقة القادمة :_ دول حوّلت القروض إلى نهضة ما الذي جعل بعض الشراكات تُثمر وأخرى تتعثر؟ والفارق ليس في الصين بل فيما قرّرته تلك الدول حين جلست على طاولة التفاوض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى