حين أبحر السندباد نحو الصين ،،رحلة عبر ألفي عام من الوثائق المنسية

23 سبتمبر 2026
بقلم لبنى يونس
تخيّل معي أننا نصعد على متن سفينة من زمن آخر، لا شراع لها سوى الوثائق، ولا بوصلة سوى الحبر الذي خطّته أيدٍ صينية وعربية على مدى ألفي عام، لنبحر معاً في رحلة رسمها أمامنا الأستاذ وانغ قوانغ يوان (همام)، الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية في جامعة بكين للغات والثقافة، محطة تلو محطة، كأنه يفتح لنا باباً موارباً على الزمن لا على الجغرافيا وحدها.
تبدأ الرحلة عند أول محطة زمنية ممكنة، في عهد أسرة هان، حيث نجد أنفسنا واقفين خلف كتف مبعوث صيني يُدعى جان يينغ، عام 97 ميلادية، وقد أرسله قائده بان تشاو في مهمة نحو أرض بعيدة تُدعى (داه تشين). يصل جان يينغ إلى إقليم (تياو زي)، الذي ترجّح المصادر أنه يقع عند أطراف الخليج العربي أو شرق المتوسط، ويقف على الشاطئ يتأمل بحراً لا نهاية له. يقترب منه بحّارة من حدود فارس الغربية ويحذّرونه ،المياه واسعة، من يعبرها بريح مواتية يحتاج ثلاثة أشهر، ومن تخذله الريح قد يقضي عامين كاملين، ولهذا يحمل من يدخل هذا البحر مؤونة ثلاث سنوات، وكثيرون يموتون حنيناً إلى أرضهم قبل أن يبلغوا الشاطئ الآخر. يسمع جان يينغ هذا الكلام فيتراجع، ويُسجّل هذا التردد في كتاب هوهانشو التاريخي كأول شهادة صينية مكتوبة عن هذا البحر الذي سيُعرف لاحقاً بأنه عتبة العالم العربي.
ونحن لا نزال في هذه المحطة الأولى، يفاجئنا وانغ بتفصيل طريف، فبلاط أباطرة هان كان يستقبل من الجزيرة العربية هدايا غريبة، من بينها نعام وصفته السجلات الصينية بـطائر تياو زي الكبير، وطيور تُدعى شي تشوي قيل حينها إنها تفهم كلام البشر، وهي على الأرجح ببغاوات. تلك التفاصيل الصغيرة تكشف لنا أن صورة العرب في المخيلة الصينية لم تولد مع الإسلام كما يظن كثيرون، بل كانت قائمة قبله بقرون، حين كانت شبه الجزيرة تُعرف بأسم تياو زي، قبل أن يستقر لها اسم داشي المرتبط بقبيلة طيء العربية، وهو الأسم الذي سيتفرّع مع الزمن إلى داشي البيضاء إشارة إلى الأمويين، وداشي السوداء للعباسيين، وداشي الخضراء للفاطميين، في تصنيف دقيق يعكس متابعة صينية واعية لتحولات الخلافة الإسلامية.
تمضي بنا السفينة إلى محطة أكثر بهاءً، عصر أسرة تانغ، حيث تتحول تشانغآن، العاصمة، إلى أكبر مدينة في العالم بأكثر من مليون نسمة، وحيث يبلغ طريق الحرير ذروة ازدهاره. هنا نلتقي بجندي صيني يُدعى دو هوان، وقع أسيراً في معركة نهر طلاس عام 751م، فأُخذ إلى الكوفة وعاش هناك عشر سنوات قبل أن يعود إلى بلاده عام 762م، حاملاً معه كتاب الرحلة، الذي دوّن فيه دهشته من أسواق العراق التي لا يُعوزها شيء حسب تدوينته، ومن حرفيين صينيين وجدهم يعملون هناك في النسيج وصياغة الذهب والرسم، أمثال فان شو وليو تشي ويوه بي، في شهادة نادرة على استقرار خبرات صينية في قلب بلاد الرافدين منذ القرن الثامن الميلادي.
وفي الإتجاه المعاكس من هذه المحطة نفسها، تُروى لنا حكاية بحّار عُماني يُدعى أبو عبيدة، أبحر بسفينته صحار من ميناء صحار في القرن الثامن الميلادي متجهاً نحو الصين، ليصبح، بحسب الرواية الصينية، أول تاجر عربي موثّق يبلغ السواحل الصينية مباشرة. والأطرف أن الباحثين الصينيين يرون في مغامرته البحرية أصلاً محتملاً لشخصية السندباد في ألف ليلة وليلة، فتتحوّل الأسطورة الأدبية العربية إلى مادة تُدرَّس في الجامعات الصينية كدليل على قِدَم الاتصال البحري بين الخليج والصين.
لا تكتمل هذه المحطة دون أن نستمع إلى سليمان التاجر، الذي يسجّل في القرن التاسع دهشته من انتشار الشاي، نوع من حشيش يشربونه بالماء الحار ويُباع في كل مدينة بمال عظيم، ومن حرص الصينيين، فقيرهم وغنيهم، صغيرهم وكبيرهم، على تعلّم القراءة والكتابة، حتى إن أبناء الفقراء كانوا يتعلمون على نفقة بيت المال. وتقابل هذه الشهادة العربية شهادة صينية موازية عن عربي يُدعى لي يان شينغ نجح في الإمتحان الإمبراطوري الصيني رغم أصله الأجنبي، فقيل فيه ،ملامح أجنبية وعقل صيني، في عبارة تختصر فلسفة تلك الحقبة التي جعلت الكفاءة معياراً للإنتماء لا العرق.
وقبل أن نغادر محطة تانغ، تأخذنا الرحلة إلى محطة طبية مدهشة، حين يروي الطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي قصة شاب صيني أقام عنده عاماً كاملاً، وتعلّم العربية كتابة ونطقاً في خمسة أشهر فقط، ثم استخدم طريقة اختزالية صينية لنسخ كتب جالينوس الطبية الستة عشر بسرعة أذهلت تلاميذ الرازي أنفسهم، الذين لم يصدّقوا إتقانه حتى قارنوا نسخته بالأصل. هذا المشهد وحده يختصر جدّية الصينيين التاريخية في نقل المعرفة الطبية العربية، وهو ما تؤكده كتب الأعشاب الصينية التي وثّقت وصفات عربية لعقاقير مثل اللبان والمر والراوند والحلبة.
تُبحر بنا السفينة الآن إلى محطة أسرة سونغ، حيث نجد التبادل قد تحوّل إلى منظومة اقتصادية متكاملة. ميناء قوانغجو وحده استقبل عام 977م ما يزيد على ثلاثمئة وأربعة وأربعين ألف رطل من اللبان العربي في صفقة واحدة، بينما تُخبرنا سجلات تاريخ سونغ أن تاجراً عربياً يُدعى أبو رشيد مُنح رتبة حكومية صينية مكافأةً له على نشاطه في تجارة اللبان، إلى جانب تاجر آخر يُدعى تساي جينغفانغ حقق أرباحاً ضخمة من التجارة البحرية. وفي هذه المحطة نفسها، يرسم الجغرافي الصيني تشاو روشي في كتابه سجلات البلاد الأجنبية خريطة دقيقة لطرق الجزيرة العربية البرية، من ظفار وعُمان والبحرين وصولاً إلى بغداد ومكة، بنقرة صينية لأسماء المدن العربية تكشف عن رصد جغرافي نادر لتلك الحقبة، يوازيه في الجهة المقابلة وصف ابن خرداذبه في المسالك والممالك للطريق البحري من الخليج إلى الموانئ الصينية الأربعة الكبرى لوقين وخانفو وخانجو وقانطو، وهي ذاتها جوانزو وتشوانزهو المعروفة اليوم.
ولعل أجمل ما تحمله هذه المحطة شهادة أدبية متبادلة فالثعالبي النيسابوري يصف في القرن العاشر مهارة الصينيين الفريدة في التصوير، وقدرتهم على التمييز في اللوحة الواحدة بين ضحكة الشامت وضحكة الخجل، بين المتبسم والمستغرب. وكأن كل ضفة كانت تكتب عن الأخرى بالإعجاب ذاته الذي كتبت به عن نفسها.
تختتم الرحلة عند محطة أسرة يوان، حيث نلتقي بشخصيات عربية اندمجت في بنية الدولة الصينية نفسها، أبرزها السيد شمس الدين عمر (1211-1279م)، الذي تولى منصب والي إقليم يوننان وترك بصمة في البنية التحتية والإصلاح الإجتماعي حتى نال محبة الناس، وابنه ناصر الدين الذي خلفه سياسياً وعلمياً، وعلاء الدين صانع المدفع الذي نُسبت إليه إسهامات في تطوير الأسلحة النارية الصينية.
حين ترسو بنا السفينة أخيراً على شاطئ اليوم، ندرك أن ما رواه السيد همام لم يكن محاضرة عن التاريخ بقدر ما كان إعادة تذكير بأن الطريق بين الصين والعالم العربي لم يُفتتح مع مبادرة الحزام والطريق المعاصرة، بل أُعيد إحياؤه فحسب، بعد أن ظل نائماً في بطون الكتب أكثر من ألفي عام، ينتظر من يوقظه ويرويه من جديد.



