
10 أكتوبر 2026
بقلم لبنى يونس
لم أكن أبحث عن الفلسفة حين وصلت إلى الصين. كانت عيني على الجسور والقطارات والأبراج، وعلى الأرقام التي تُروى عن هذا البلد كأنها سرّ نجاحه كله. وكنت أحسب أن الجواب يسكن في الإسمنت والحديد، حتى جلسنا ذات يوم في قاعة المحاضرة، ووقفت أمامنا الأستاذة الدكتورة ياسمينة، وبدأت من حيث لم أتوقع، من معلّم عاش قبل أكثر من ألفين وخمسمئة عام.
قدّمت لنا كونفوشيوس رجلًا لا نبيًّا. هو أول من فتح باب التعليم لعامة الناس، وجمع تراث من سبقوه وأعاد صياغته، فسمّاه تلاميذه الوارث والمجدد. ثم عرضت علينا مصدرَي أفكاره مختارات كونفوشيوس التي دوّنها تلاميذه، وحوليات الربيع والخريف بتعليقاتها التاريخية. وفي تلك اللحظة لاحظت أمرًا لم أنتبه له من قبل هذه الحضارة تحتفظ بمعلمها في كتاب يُقرأ ويُدرَّس ويُستشهد به، ولا تحنّطه في تمثال.
وفي قلب هذه الفلسفة مفهوم صغير في حروفه، واسع في أثره، هو (رن) . ترجمته الأقرب الإحسان أو الإنسانية، وتشرحه الدكتورة بأنه حبّ الآخر وحبّ الذات معًا. وليس هذا حبًّا عاطفيًا، بل أخلاق عملية أن تكون إنسانًا يعني أن تحسن إلى من حولك، وأن تبدأ بنفسك. وحول هذا المركز تدور القيم الأخرى كما تدور الكواكب حول شمسها (لي) ، أي الآداب والطقوس التي تحفظ النظام والإحترام بين الناس، و(شياو) ، أي الإحترام والمسؤولية تجاه الوالدين والأجداد، و(تشونغ يونغ) ، أي الوسطية والتوازن في الفكر والسلوك. وحين تأملت هذه الحلقات المتصلة أدركت أن الأخلاق في الفهم الصيني ليست زينة تُضاف إلى الحياة، بل هي الهيكل الذي تقوم عليه العلاقات من الأسرة إلى المجتمع
وتوقفت عند مقولة لكونفوشيوس بدت لي مفتاحًا لكل ما رأيت: (لو أن ثلاثة يسيرون في طريق معًا فحتمًا واحد منهم معلم لي. فهذا المعلم الأكبر يعلن أنه تلميذ دائم، وأن الحكمة لا تحتكرها مرتبة ولا عمر. ومن هنا فهمت لماذا تقوم هذه الثقافة على التعلّم، وفسّرت لي ملاحظتي الأولى عن اهتمامهم الدائم بالإتقان والتحسين.
ثم انتقلت المحاضرة إلى الوجه الآخر للروح الصينية، وهو الطاوية. وإن كانت الكونفوشيوسية تُعنى بالإنسان في مجتمعه، فالطاوية تنظر إلى الإنسان في الكون. هنا يظهر (داو فا زيران)، أي أن الكون يعمل وفق قانونه الطبيعي وعلى البشر أن يتبعوه. وهنا يظهر (وو وي)، أي عدم الفعل، وليس معناه الكسل كما يتوهم السامع أول مرة، بل التصرف دون مقاومة للتدفق الطبيعي للأمور. ثم شرحت لنا فلسفة (اليين يانغ) قوتان متكاملتان، الضوء والظلام، والنشاط والسكون، لا تلغي إحداهما الأخرى بل تبقيان في توازن ديناميكي. وإلى جانبها نظرة العناصر الخمسة، الخشب والنار والتراب والمعدن والماء، وعلاقات التوالد والتكابح بينها. وبدا لي أن هذا الفكر يرى العالم شبكة من العلاقات المتحركة، ويعلّم صاحبه أن يرضى بما يلقاه ويتكيف معه، وهو ما تلخصه عبارة (الرضا في أي موقف). وتجسّدت الفكرة أمامنا في الكونغ فو، أو الووشو كما سمّته الدكتورة، وهو في الحقيقة فلسفة تتحرك, نظام ممارسة كامل ينتهي إلى رؤية للعالم، لا مجرد قتال.
وهنا بدأت ترتسم في ذهني الصورة الأكبر. هذان التياران، الكونفوشيوسي الذي يعلي الواجب والنظام، والطاوي الذي يعلي الطبيعة والمرونة، يبدوان متباعدين، لكنهما في الوعي الصيني يكمّل أحدهما الآخر. إنسان يؤدي دوره في أسرته ومجتمعه بانضباط، ثم يجد في الطبيعة والسكون توازنه الداخلي. وهذا التوازن بين الصلابة والليونة، وبين الواجب والإنسياب، هو ما يمنح الثقافة الصينية قدرة نادرة على الإستمرار.
لكن أهم ما استوقفني في تلك المحاضرة لم يكن الأفكار نفسها، بل علاقة أصحابها بها. فالصيني لا يقف أمام تراثه موقف المتفرج على متحف، ولا موقف الخجل ممن يحمل ماضيًا ثقيلًا. إنه يتعامل معه كمن يتعامل مع جذر الشجرة، لا يقطعه لأنه لا يُرى، ولا يعبده لأنه قديم. وقد مرّت على الصين حقب سُئل فيها هذا الإرث بقسوة، وتعرضت فيها مكانة كونفوشيوس لجدل حاد، ثم عاد الإهتمام بتراثه ليأخذ مكانه في التعليم والثقافة العامة. وفي هذه العودة معنى عميق، الأمة التي تواجه تاريخها بأسئلته الصعبة، ثم تستخلص منه ما ينفع، أقدر على السير إلى الأمام من أمة تهرب منه أو تقدّسه دون فحص.
وحين غادرت القاعة كانت الأبراج التي رأيتها قبل ساعات تبدو لي مختلفة. لم تعد مجرد زجاج وفولاذ، بل صارت امتدادًا لمعلّم قال قبل خمسة وعشرين قرنًا إن في كل رفيق طريق شيئًا يُتعلم. ولعل سر الصين الذي كان غائبًا عني ليس في ما بنته فحسب، بل في ما حفظته من نفسها وهي تبني ،ذاكرة لا تُقطع، وأخلاق تُمارس، وتواضع المتعلم الدائم أمام ماضٍ يعدّونه معلمًا.


