إقتصادالأمنتعليمدوليرأيسياسةمال و أعمالمقالاتمقالات رأي

مبادرة الحوكمة العالمية تقدم حكمة صينية لتحقيق السلام والإستقرار والتنمية في العالم

 

الصين – بكين

بقلم لبنى يونس

في الأول من سبتمبر من العام الماضي، وفي مدينة تيانجين الصينية، وقف الرئيس شي جين بينغ أمام أكبر تجمع في تاريخ منظمة شنغهاي للتعاون الممتد لأربعة وعشرين عامًا، ليعلن عن ميلاد فكرة جديدة تحمل اسم (مبادرة الحوكمة العالمية). لم يكن التوقيت عابرًا؛ فالعالم كان يستعد في الأسابيع ذاتها لإحياء الذكرى الثمانين لانتصار الحلفاء على الفاشية وتأسيس الأمم المتحدة، تلك المنظمة التي وُلدت من رحم حربين عالميتين مدمرتين لتكون ضمانة ألا يتكرر الدمار. وكأن بكين أرادت أن تقول للعالم، إذا كانت المنظومة التي بنيناها قبل ثمانين عامًا قد شاخت وتصدّعت أعمدتها، فإن اللحظة نفسها التي نستحضر فيها ولادتها هي الأنسب لطرح تصور جديد لترميمها.

والحقيقة أن الجرأة في هذا الطرح لا تكمن في فكرة الإصلاح بحد ذاتها، بل في مصدرها، فالدولة التي تتقدم بمشروع لإعادة صياغة قواعد الحوكمة الدولية ليست قوة خارج المنظومة تريد هدمها، بل عضو مؤسس دائم العضوية في مجلس الأمن، اختار أن يرفع الصوت من داخل البيت الأممي نفسه مطالبًا بترميمه لا بهدمه. هذا الموقف، الذي يجمع بين الانتماء للنظام القائم والدعوة الصريحة لتطويره، هو ما يمنح المبادرة طابعها الجريء وغير المعتاد في تاريخ العلاقات الدولية.

جاءت المبادرة لتكمل مسارًا فكريًا بدأته الصين قبل سنوات، حين طرحت مبادرة التنمية العالمية لتعزيز التعاون الإنمائي، ثم مبادرة الأمن العالمي لحل النزاعات عبر الحوار بدل المواجهة، فمبادرة الحضارة العالمية للاحتفاء بتعدد الثقافات ورفض فرض نموذج واحد على البشرية. وها هي الحلقة الرابعة تكتمل بمبادرة الحوكمة، لتجيب هذه المبادرات الأربع مجتمعة عن سؤال واحد جوهري أي عالم نريد أن نبنيه، وكيف نبنيه معًا؟

أما جوهر المبادرة، فيتلخص في خمسة مبادئ بسيطة في صياغتها، عميقة في دلالتها. أولها المساواة في السيادة، بمعنى أن حجم الدولة أو قوتها الاقتصادية أو العسكرية لا ينبغي أن يمنحها حق فرض إرادتها على غيرها، فالكبير والصغير سواسية في الكرامة والقرار. وثانيها الالتزام بسيادة القانون الدولي، بحيث تُدار الخلافات بميزان العدالة لا بميزان القوة. وثالثها ممارسة التعددية الحقيقية، عبر منصات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، بدل أن تنفرد قوة واحدة أو تحالف ضيق برسم مصير الجميع. ورابعها أن يكون الإنسان، لا المصالح الجيوسياسية الباردة، محور كل سياسة وقرار. وخامسها، وربما الأهم عمليًا، التوجه نحو الفعل الملموس لا الاكتفاء بالخطابة والشعارات.

ولعل أبلغ دليل على أن هذه المبادئ ليست حبرًا على ورق، ما شهده العالم قبل أيام فقط، حين استقبلت واشنطن الرئيس الصيني في زيارة دولة نادرة، بعد أشهر من لقاء بكين الذي وصف فيه الرئيس الأمريكي العلاقة بين البلدين بأنها الأكثر أهمية في تاريخ العالم، ووصف نظيره الصيني بـالصديق. وفي كلا اللقاءين، أصرّ الرئيس الصيني على أن العلاقة بين القوة الراسخة والقوة الصاعدة يجب أن تُبنى على الشراكة لا الخصومة، وعلى تفادي ما يسميه المؤرخون فخ ثوسيديدس، ذلك المسار التاريخي الذي انتهى غالبًا بصدام دموي بين قوتين متنافستين. فإذا كانت بكين تخاطب أكبر منافسيها الإستراتيجيين بلغة الصداقة والشراكة، فذلك أصدق تعبير عن أن التعايش السلمي بين الشعوب ليس شعارًا تسوّقه المبادرة للإستهلاك الخارجي، بل نهجًا تمارسه حتى في أشد علاقاتها تعقيدًا وحساسية.

بعد عام كامل على إطلاقها، لم تعد المبادرة مجرد ورقة مفاهيمية تُتلى في المحافل الدولية، بل تحولت إلى مرجعية يستحضرها السفراء والدبلوماسيون الصينيون من اليمن إلى المغرب حين يتحدثون عن شراكاتهم مع دول الجنوب العالمي، وإلى إطار فكري يُختبر يوميًا في أكثر الملفات الدولية سخونة، من الإقتصاد إلى الأمن إلى العلاقة مع القوى الكبرى المنافسة. وربما تكون الرسالة الأعمق التي حملتها هذه المبادرة، بعد عام من ميلادها، أن مستقبل البشرية لا ينبغي أن يُصاغ بمنطق الغالب والمغلوب، بل بمنطق الشراكة التي تتسع للجميع، كبارًا وصغارًا، أقوياء وضعفاء، في عالم لم يعد يحتمل مزيدًا من منطق الهيمنة والإستقطاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى