سبعةٌ وسبعون عامًا من الصعود الهادئ

1 أكتوبر 2026
بقلم لبنى يونس
في الأول من أكتوبر عام 1949 أُعلن قيام جمهورية الصين الشعبية على أرضٍ أنهكتها الحروب وأثقلتها الفاقة. لم يكن في الأفق يومها ما يوحي بأن تلك الدولة الفتية ستصير بعد عقود ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وشريكًا لا غنى عنه في معادلات التنمية والتجارة الدولية. غير أن ما جرى بين التاريخين لم يكن معجزةً هبطت من السماء، بل ثمرة صبرٍ طويل وتخطيطٍ متدرّج وإيمانٍ بأن الإستقرار شرط البناء، وأن البناء هو أبلغ ردٍّ على التحديات.
وحين تحتفل الصين اليوم بعيدها الوطني السابع والسبعين، فإن الدلالة الأعمق للمناسبة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في المنهج الذي أنتجها. فقد اختارت الصين أن تبني قوتها من الداخل، وأن تقدّم نفسها للعالم شريكًا لا وصيًّا، وأن تقيس النجاح بما يتحقق على الأرض من طرقٍ وموانئ ومصانع وفرص عمل. وهذه الرسالة تحديدًا هي ما يستحق أن تقرأه الدول الخارجة من أزماتها، وفي مقدمتها ليبيا.
فليبيا، بموقعها على المتوسط وبما تملكه من ثرواتٍ وطاقاتٍ بشرية، تدرك أن الإنتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل يبدأ بالإستقرار والمؤسسات، ثم يمضي إلى الإستثمار في البنية التحتية. وهنا تتقاطع حاجة ليبيا مع فلسفة الصين التنموية. فمبادرة الحزام والطريق، التي انضمت إليها ليبيا بمذكرة تفاهم عام 2018، ليست إطارًا دعائيًا بقدر ما هي منصة عملية لتمويل الربط والنقل والطاقة وإعادة الإعمار. وإذا ما أُحسن توظيفها، فبإمكانها أن تحوّل الموقع الجغرافي الليبي من مجرد ميزةٍ على الخريطة إلى رافعةٍ اقتصادية فعلية.
على أن الفرص لا تتحول إلى منجزات من تلقاء نفسها. فالشراكة الناجحة تحتاج إلى وضوح في الأولويات الوطنية، وإلى شفافية في العقود، وإلى كفاءات ليبية قادرة على التفاوض وإدارة المشاريع ونقل الخبرة. والصين نفسها لم تنهض بالإستيراد الجاهز، بل بتوطين المعرفة وبناء القدرات، وهو الدرس الأجدر بالإستلهام. أما العلاقة الليبية الصينية، فلديها رصيدٌ من الثقة المتبادلة والإحترام لسيادة الدول وخياراتها، وهو رصيدٌ ينبغي البناء عليه بالإنتقال من التعاون السياسي إلى شراكةٍ تنموية ملموسة يلمس المواطن الليبي أثرها في حياته اليومية.
ولا يغيب عن هذا المشهد دور الإعلام، فهو الجسر الذي يعرّف كل شعبٍ بالآخر بعيدًا عن الصور النمطية. ومن موقعنا في سما الإخبارية، التي واكبت هذه العلاقة منذ سنوات، نرى أن نقل الصورة الدقيقة وتحليل الفرص والتحديات بموضوعية هو إسهامٌ حقيقي في تعزيز الفهم المشترك، ومقدمةٌ لازمة لأي شراكة تريد أن تدوم.
إن سبعة وسبعين عامًا من الصعود الصيني تقول لنا إن الأمم لا تُقاس بما ورثته من ظروف، بل بما صنعته من خيارات. وفي ذكرى هذا العيد، نتقدم بأصدق التهاني إلى الصين قيادةً وشعبًا، ونتطلع إلى أن تكون المرحلة المقبلة من العلاقات الليبية الصينية عنوانًا لشراكةٍ متكافئة تخدم مصلحة الشعبين وتفتح للأجيال القادمة أبواب الإزدهار.



