من شاطئ هادئ إلى سابع موانئ العالم..كيف صنع ميناء ريتشاو قفزته؟

الصين -ريتشاو (شاندونغ)
إعداد / وكالة سما الإخبارية
على رصيف عريض يكاد يخلو من الضجيج، تصطف الحفارات والمعدات الثقيلة قرب رافعات الحاويات الحمراء، بينما يمتد السير الناقل الطويل إلى جانب رافعات التفريغ الخضراء. المشهد أقرب إلى الهدوء منه إلى صخب الموانئ المعتاد، لكن الأرقام خلفه لا تعرف الهدوء، ميناء أنجز عام 2025 حجم إنتاجية بضائع بلغ 580 مليون طن، ليحتل المرتبة السادسة بين الموانئ الساحلية الصينية، والسابعة عالمياً.
ميناء وُلد متأخراً فسبق من قبله
بدأ بناء ميناء ريتشاو عام 1982، وافتُتح للتشغيل عام 1986، كأحد الموانئ الساحلية الرئيسية التي رُكّز على بنائها في الخطة الخمسية السادسة الوطنية. وكان في بدايته تحت إدارة وزارة النقل، ثم انتقلت إدارته إلى مدينة ريتشاو في أغسطس 2002. وفي السادس من أغسطس 2019 اندمجت موانئ تشينغداو وريتشاو ويانتاي وخليج بوهاي في مجموعة موانئ شاندونغ. ومنذ ذلك الإصلاح التكاملي قفز الميناء قفزتين متتاليتين، تجاوز بهما عتبتين بمقدار مئة مليون طن لكل منهما، ليصبح أحدث ميناء في العالم يبلغ حجم إنتاجيته 500 مليون طن. أفلا يستحق ميناء بهذا العمر القصير وقفة؟
قدرات تتجاوز الأرقام
يضم الميناء منطقتين رئيسيتين هما شيجيو ولانشان، وقد بُني فيهما 79 رصيفاً إنتاجياً، منها 50 في شيجيو و29 في لانشان، وبلغت فئة أرصفة الخامات والنفط الخام 300 ألف طن. وفي هذه المعطيات سر ثقله الإقتصادي فالأرصفة العملاقة لا تُبنى إلا لمن ينقل الطاقة والخامات، وهذا ما يفعله الميناء. فقد احتل المركز الأول وطنياً في ست فئات من البضائع، وتجاوزت تسع فئات منها حاجز العشرة ملايين طن، ليكون قاعدة ترانزيت عالمية للطاقة والمواد الخام السائبة.
شبكة تنقل بكفاءة وراحة
يتميز نظام الجمع والتوزيع في الميناء بالنقل بالكفاءة والراحة. فمن البر، هو الميناء الوحيد في الصين الذي يمتلك خطي سكة حديد رئيسيين يتجاوز طول كل منهما ألف كيلومتر، يتصلان مباشرة بمنطقة الميناء. ومن الأنابيب، هو الميناء الساحلي الذي يمتلك خمسة خطوط طويلة لنقل النفط الخام، ويتمتع بأطول خطوط أنابيب متصلة بالنفط الخام على مستوى البلاد. وهذا التكامل بين السكة والأنبوب والرصيف هو ما يحوّل الميناء من مجرد نقطة شحن إلى حلقة تقلل زمن البضاعة وكلفتها بين الداخل والبحر.
ثلاث وظائف في ميناء واحد
لا يكتفي الميناء بدور واحد، بل يحمل في منظومة موانئ شاندونغ مهام ثلاثاً ميناء مركزي للتجارة الداخلية، وميناء رئيسي للخطوط البحرية القريبة، وميناء مغذٍّ للخطوط البحرية البعيدة. وهي وظائف تعني أن الميناء يخدم ما هو أقرب وما هو أبعد في آن واحد.
الميناء والمدينة.. علاقة تفسر القفزة
لا يصعب فهم سبب نمو ميناء ريتشاو إذا نظرنا إلى المدينة نفسها،مدينة تضم قاعدة للصلب بطاقة تقارب عشرين مليون طن، وصناعة سيارات وطاقة جديدة تتنوع في مصانعها. ميناء يستقبل الخامات ويصدّر المنتجات يخدم مصانع تجاوره، ومصانع تتوسع لأن الميناء يسهّل لها الوصول إلى العالم. وبين الإثنين تدور دورة تغذي كلاً منهما الأخرى.
أسئلة تبقى مفتوحة
كم من الموانئ الصاعدة في عالمنا تمتلك شواطئ عميقة وأرصفة واسعة، ولا تمتلك السكة التي تصلها بمصانع الداخل ولا الأنبوب الذي يحمل طاقتها؟ وهل يكفي بناء الرصيف ليولد الميناء الكبير، أم تلزم رؤية تربط الرصيف بالمصنع والمدينة والعالم؟ إنها أسئلة تستحق أن نطرحها ونحن نرى كيف تصنع الشراكة مع الصين تجربة بدأت من شاطئ هادئ، ونتمنى أن نرى مثلها تنمو في ربوع بلادنا.



