إقتصادالمجتمعدوليرأيليبيامال و أعمالمقالاتمقالات رأي

شياوغوتشنغ حين يصبح التشاور أسلوب إدارة، وما الذي يمكن أن تتعلمه ليبيا

 

 

الصين ـ شياوغوتشنغ

9 أكتوبر 2026

بقلم لبنى يونس

 

لا تكمن قيمة تجربة قرية شياوغوتشنغ الصينية في جمال أسوارها المنخفضة ولا في أكشاكها الريفية الأنيقة، بل في المنهج الإداري الذي أنتج هذه المظاهر. فالقرية التي يقل عدد سكانها عن مدينة صغيرة استطاعت، خلال عقدين، أن تحوّل الإدارة المحلية من جهاز يصدر القرارات إلى منصة تصنعها مع أهلها. وهذا هو الدرس الأعمق الذي يستحق التأمل، لا سيما في بلد مثل ليبيا يعاني من فجوة عميقة بين المواطن والإدارة.

يقوم النموذج الإداري في القرية على مبدأ بسيط في صياغته، عميق في أثره، كل قرار يمس حياة الناس يمرّ بالتشاور قبل التنفيذ. وقد تجسد ذلك في الممارسة اليومية، فحين ضاقت مواقف السيارات في مواسم الذروة، لم تُفرض غرامة ولم يُشق طريق جديد، بل اجتمع الكوادر وممثلو شركة السياحة والأهالي تحت شجرة الكافور، وخرجوا بحل يفتح الساحات المنزلية للسيارات مقابل 20 يوانًا للمرة، فحُلت الأزمة وتحقق دخل إضافي للأسر. وحين رُفض موقع المراحيض العامة خوفًا من إفساد البيئة، أُجريت ثلاث جولات تشاور، ثم رُتّب طاقم صيانة يومي، فتحوّل الإعتراض إلى قبول. وحين خُفضت الأسوار من مترين أو ثلاثة إلى نحو ثمانين سنتيمترًا، سبق ذلك أن اصطحبت القرية ممثلي الأهالي وأعضاء الحزب لزيارة قرى نجحت في التجربة، ثم حُلت مسألتا التمويل وحماية الخصوصية قبل أول معول هدم. فالإدارة هنا لا تطلب من الناس الثقة، بل تبنيها عبر إشراكهم في كل مرحلة.أما العنصر الثاني في هذا النموذج فهو ما يمكن تسميته (إدارة الحوافز. فالقرية لم تعتمد على الوعظ لترسيخ النظافة والإنضباط، بل صممت منظومة تقييم شهرية للأسر المتحضرة بنجوم، تُجمع نقاطها وتُستبدل بمواد يومية. وإلى جانبها وضعت الحوكمة الشبكية التي تقسّم القرية إلى سبع شبكات، لكل منها رئيس وموجّه وعضو متفرغ وأعضاء بدوام جزئي، يساندون الكوادر في الوقاية من الكوارث والإدارة اليومية. وبذلك صارت الإدارة منتشرة داخل النسيج الإجتماعي، لا محصورة في مكتب واحد.

والعنصر الثالث هو الربط بين الإدارة والإقتصاد. فكل إصلاح بيئي أو عمراني قابله مردود مادي يلمسه القروي بنفسه، وهذا ما يفسر قبول الناس لإجراءات صعبة كالهدم قبل البناء. فكشك البيع بلا بائع، والحديقة النباتية المشتركة التي يقطف فيها الزائر ما يشاء مقابل 30 يوانًا، وتحويل حق استخدام أكثر من 13 ألف مو من أراضي القرية إلى مشاريع سياحة زراعية، مع بقاء الملكية لأصحابها، ، كلها أدوات حوّلت الأرض والبيت إلى مصدر دخل. وتشير الأرقام إلى النتيجة نحو 800 ألف زائر في عام 2025، وإيرادات جماعية بلغت 13.08 مليون يوان، ومتوسط دخل للفرد 62,700 يوان. وقد أُنشئت شركة قروية مهنية تدير هذه الموارد وتستقطب كفاءات متخصصة، فلم تُترك التنمية للاجتهاد العفوي.

ويبقى الركن الرابع، وهو التخطيط الموحد الصارم. فقد اعتُمدت في القرية قاعدة الهدم أولًا ثم البناء، وجرى التعديل مرة واحدة وبشكل كامل لتجنب إعادة العمل، مع ألبوم تصاميم معماري مجاني يضم أكثر من 200 نموذج، ومعايير واضحة لمساحات البناء وارتفاعه، ورقابة ميدانية على مراحل التنفيذ. فالمرونة في الإختيار تقابلها صرامة في المعيار.

وعند الانتقال إلى الواقع الليبي، ينبغي التحلي بالدقة، فالسياق الصيني تحكمه بنية حزبية مركزية تؤمّن استمرارية السياسات لعقدين، وتربط القرية بتمويل وخطط تمتد من المقاطعة إلى العاصمة، وهذا غير متاح اليوم لبلديات ليبية تغزوها الإنقسامات المؤسسية وتتبدل فيها الأولويات بتبدل الحكومات. لكن ذلك لا يلغي إمكانية الإستفادة من جوهر التجربة، فالمجتمع الليبي يمتلك أصلًا رصيدًا اجتماعيًا يضاهي ما تمثله شجرة الكافور في القرية الصينية، وهو مجالس الأعيان والحكماء والمشايخ ومجالس الصلح، ومجالس الشباب ومنظمات المجتمع المدني ،وهي مؤسسات تشاور تقليدية راسخة لم تُدمج حتى الآن في عمل الإدارة المحلية بصورة منهجية. ويمكن للبلديات أن تحوّلها من أداة لفض النزاعات إلى شريك في التخطيط، فتُعرض عليها قرارات المرافق والأسواق والنظافة قبل صدورها، كما فعلت القرية مع موقع المراحيض.

كما يمكن نقل فكرة الحوافز الشهرية إلى مستوى الأحياء والمحلات، بتقييم معلن للنظافة والإلتزام يقترن بمزايا خدمية ملموسة، بدل الإكتفاء بحملات توعوية موسمية سرعان ما تتلاشى. ويمكن كذلك اقتباس نموذج الشركة المحلية المهنية التي تدير الموارد السياحية والزراعية، في مناطق تملك مقومات واضحة كالواحات والسواحل والمواقع الأثرية في شحات ولبدة الكبرى وغدامس، بحيث يعود جزء من العائد مباشرة إلى سكان المنطقة، فيشعرون بأن الحفاظ على الموقع مصلحتهم قبل أن يكون واجبهم. وتبرز هنا ملاحظة لافتة، فقرية شياوغوتشنغ بنت هويتها وسمعتها على موقع أثري عمره سبعة آلاف عام، ونسخت قطعه الأثرية على جدرانها ليعرف أطفالها تاريخهم، في حين تمتلك ليبيا مواقع قديمة وغنية ، ولا يزال كثير منها بلا إدارة محلية تستثمره ثقافيًا واقتصاديًا.

وتتعلق الخلاصة الأهم بالترتيب الزمني للإصلاح. فالقرية لم تبدأ بالمشاريع الكبرى، بل بتأسيس أسلوب العمل، ثم بتحقيق إنجازات صغيرة ملموسة، ثم تراكمت الثقة التي سمحت بقرارات أصعب. وهذا ما تحتاجه التجربة الليبية أن تبدأ بلدية واحدة أو قرية واحدة بتجربة تشاورية منضبطة في ملف محدد، وتثبت نتائجها أمام الناس، قبل الحديث عن التعميم. فالثقة لا تُعلن بالقرارات، بل تُبنى بالتراكم. ويظل أبرز ما تقدمه شياوغوتشنغ أنها تبرهن على أن التنمية الريفية ليست مسألة ميزانيات فحسب، بل مسألة علاقة بين الإدارة ومن تديرهم. فحين يرى المواطن أن صوته يغيّر الواقع، يتحول من متلقٍ للخدمة إلى شريك في صيانتها، وهذا التحول هو الإستثمار الأعلى عائدًا في أي مشروع تنموي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى