إقتصادالمجتمعدوليليبيامتابعاتمقالاتمقالات رأي

حين تتحدث الصين عن نفسها بالأرقام قراءة في محاضرة التحديث بالنمط الصيني

 

 

الصين – بكين

9 أكتوبر 2026

بقلم لبنى يونس

 

في محاضرة بعنوان (مفهوم القيم لتنمية الصين في العصر الحديث)، ألقتها الأستاذة وي تشي رونغ، نائبة عميد كلية دراسات الشرق الأوسط في جامعة بكين للدراسات الدولية، طُرحت فكرة مركزية واحدة أن حجم الصين السكاني ليس تفصيلاً هامشياً في مسيرة تحديثها، بل هو الظرف الوطني الذي يُعاد بناء كل سياسة تنموية انطلاقاً منه.

بدأت المحاضرة من زاوية غير متوقعة، إذ لم تُقدَّم الكتلة السكانية الصينية البالغة أكثر من 1.4 مليار نسمة كرقم إحصائي أو كميزة تنافسية فحسب، بل كمعطى يحدد بالضرورة درجة الصعوبة والتعقيد في أي مشروع تحديث، على حد تعبير الشريحة الأولى. فتحديث كتلة بشرية بهذا الإتساع، كما أوضحت المحاضِرة، يفرض تلقائياً أن يكون طريق التنمية وأساليب الدفع به ذات خصائص صينية، لأن ما يصلح لتجربة دولة أصغر لا يمكن تعميمه ببساطة على دولة تحمل سدس سكان الكوكب. وهنا بُني الإنتقال المنطقي في المحاضرة من الحجم كمعطى واقعي، إلى الخصوصية كنتيجة حتمية، لا كخيار أيديولوجي معزول عن الواقع.

وفي الشريحة الثانية، انتقلت المحاضِرة إلى تفكيك مصطلح التحديث الصيني النمط ذاته، مستندة إلى ما ورد في تقرير المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، الذي يربط هذا المسار بتحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية. وأوضحت أن هذا النموذج تحديث اشتراكي بقيادة الحزب، يحمل القواسم المشتركة مع أي عملية تحديث حول العالم، لكنه في الوقت نفسه يبني على الإبداع المستند إلى العادات والتقاليد الصينية وتاريخ البلاد وظروفها الوطنية، بما يجعله، بحسب صياغة الشريحة نفسها، تعبيراً عن تجارب الشعب الصيني التاريخية وحكمته المعاصرة.

ما يستحق التوقف عنده في هذا الطرح أنه لا يقدّم التحديث الصيني كنموذج منغلق على ذاته أو كنفي للتجارب الأخرى، بل كصياغة تحاول التوفيق بين بُعدين ،الاشتراك في السمات العامة لأي تحديث عالمي من جهة، والإنطلاق من خصوصية وطنية وثقافية غير قابلة للإستنساخ من جهة أخرى. وهذه الثنائية، بين العام والخاص، هي ما يمنح الخطاب الصيني الرسمي حول التحديث طابعه المميز، إذ لا يطرح نفسه بديلاً إقصائياً عن مسارات التنمية الأخرى، بل مساراً موازياً نشأ من شروط مختلفة جوهرياً، أبرزها هذا الثقل السكاني الذي لا نظير له في أي تجربة تحديث أخرى في التاريخ الحديث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى