دوليرأيسياسةمقالاتمقالات رأي

أجهزة قوية من أجل تقدم مستدام.. لماذا تحتاج كل دولة إلى نظام كوادر قوي

 

 

 

ضمان استمرارية الحوكمة الوطنية من منظور نظام تنمية الكوادر للصين

الصين – بكين

بقلم قاو لينغ جيا، مراسلة CGTN

قد يستغرق تخطيط وبناء مستشفى سنوات قبل أن يفتح أبوابه، وقد يمتد مشروع للسكك الحديدية عبر عدة فترات حكومية، من الموافقة الأولية إلى الإنجاز. أما إصلاح للتعليم فقد يستغرق جيلا كاملا لتحقيق نتائج ملموسة. ولكن في بعض الدول النامية، تتجاوز التحديات التي تواجه مشاريع التنمية طويلة الأجل التمويل والتقنيات، وتشمل أيضا سؤالا أقل وضوحا، ولكنه لا يقل أهمية: عندما يتغير المسؤولون الحكوميون، هل يمكن لخطط التنمية الحالية أن تستمر دون انقطاع؟

هل سيواصل المسؤولون الجدد سياسات أسلافهم؟ وهل تستند الترقيات إلى الكفاءة المهنية والأداء الفعلي، أم تتأثر بالعلاقات السياسية والمصالح قصيرة الأجل؟ على الرغم من أن هذه الأسئلة قد تبدو وكأنها تتعلق بإدارة شؤون الموظفين، إلا أنها في الواقع أساسية لقدرة الدولة على بناء قدرات إدارية مستدامة وترجمة أهداف التنمية طويلة الأجل إلى إجراءات سياسية متسقة.

ويقدم نهج الصين لمواجهة هذا التحدي منظورا مؤسسيا يستحق الدراسة.

وفي الدورة الكاملة الخامسة للجنة المركزية الـ20 للحزب الشيوعي الصيني، التي عقدت في أكتوبر الماضي، تم اتخاذ الترتيبات اللازمة لتعزيز الحكم الذاتي الكامل والصارم للحزب على أساس مستدام. وأكد الاجتماع على أهمية بناء قوة عاملة من الكوادر عالية الكفاءة، وتعزيز تعليم المسؤولين وتدريبهم، وتحسين اختيارهم وتعيينهم، وتعزيز الإدارة والرقابة. كما دعا للالتزام بالمعايير المناسبة لاختيار الموظفين، ولتبني نهج أكثر استهدافا وقائما على الأدلة لتحديد المسؤولين وتعيينهم، وتوجيههم لتنمية وممارسة فهم سليم لما يشكل أداء جيدا. وشدد على ضرورة تعزيز النظام التنظيمي وضمان التنسيق والتنفيذ الفعالين على جميع المستويات.

وتتجاوز هذه الإجراءات مجرد تدريب المسؤولين الأفراد واختيارهم وتقييمهم والإشراف عليهم؛ تعكس نهجا أوسع للحوكمة: تحويل القدرات الفردية إلى قوة مؤسسية ومتطلبات السياسة إلى تنفيذ مستدام. وبالنسبة للمشاريع العامة التي تتطلب التزاما طويل الأجل، تعد الكفاءة المهنية للمسؤولين وقدرة الأجهزة على العمل بفعالية واتساق أمرا ضروريا.

أولا، يحدد نظام الاختيار والتعيين كيفية قيام الأجهزة العامة بتحديد المواهب وتطويرها والاستفادة منها. ويمكن للمعايير الواضحة والإجراءات الموحدة أن تساعد للحد من تأثير العلاقات غير الرسمية على قرارات شؤون الموظفين وضمان توافق أفضل بين قدرات المسؤولين ومتطلبات مناصبهم. ولذلك لا ينبغي أن يأخذ التوظيف والترقية للقطاع العام في الاعتبار فقط المؤهلات المهنية والكفاءة الفردية، ولكن أيضا الأداء الفعلي والشعور بالمسؤولية والقدرة على مواجهة التحديات العملية.

ثانيا، يؤثر تقييم الأداء على كيفية تخصيص المسؤولين لوقتهم ومواردهم. ولا شك أن المؤشرات قصيرة الأجل مثل النمو الاقتصادي لها أهمية كبيرة. ومع ذلك، يتطلب التعليم وحماية البيئة الطبيعية والصحة العامة وتنمية البنية التحتية أيضا استثمارا مستداما. وعندما تركز التقييمات بشكل مفرط على النتائج الفورية، قد يتم إهمال المجالات التي تستغرق وقتا أطول لتحقيق عوائد مرئية، رغم أهميتها للتنمية طويلة الأجل.

ويهدف تركيز الصين على تنمية فهم سليم لما يشكل أداء جيدا لتشجيع المسؤولين على تحقيق التوازن بين الإنجازات الفورية والنتائج التي يمكن أن تصمد أمام اختبار الزمن. ويعني هذا النظر إلى ما هو أبعد من الأرقام قصيرة الأجل لتقييم التحسينات للخدمات العامة وجودة التنمية والتقدم الملموس في المشاريع طويلة الأجل.

ثالثا، تحدد آليات الرقابة الحدود التي تمارس ضمنها السلطة العامة وتضمن الوفاء بالمسؤوليات. ويحدد الاختيار من يعهد إليه بالمنصب؛ ويقيم تقييم الأداء مدى فعالية أداء هذا الشخص لواجباته؛ ويضمن الإشراف ممارسة السلطة في حدود القيود المؤسسية والحفاظ على المساءلة.

ويمكن للإدارة التنظيمية السليمة وإجراءات التسليم الفعالة أن تساعد لمنع فجوات المعلومات والاضطرابات للعمل الجاري والانقطاعات لتنفيذ السياسات عندما يغير المسؤولون مناصبهم. ويجب أن تعمل هذه الآليات معا لضمان أن تعمل الأجهزة العامة بطريقة متسقة ومنظمة ومستقرة.

ومن المهم التأكيد على أن استمرارية الحكم الوطني لا تعني الإبقاء على المسؤولين أو السياسات دون تغيير. ومع تطور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، يجب تعديل السياسات العامة عند الضرورة، بينما ينبغي أن يخضع المسؤولون للتناوب والاستبدال بشكل منتظم. والأهم هو أنه بغض النظر عن التحولات لشاغلي المناصب، تستمر الأجهزة العامة في أداء مسؤولياتها وفقا للقواعد والإجراءات المعمول بها، مما يسمح لخطط التنمية السليمة والسياسات العامة بالمضي قدما بطريقة منظمة ومستدامة.

وبالطبع، تختلف الأنظمة السياسية والتقاليد الإدارية من دولة إلى أخرى، ولا ينبغي اعتبار الترتيبات المؤسسية للصين نموذجا يمكن نقله ببساطة إلى أماكن أخرى. ومع ذلك، يعد الحد من اعتماد الأجهزة العامة المفرط على العلاقات الشخصية والمصالح قصيرة الأجل، وضمان عدم انحراف السياسات طويلة الأجل بسهولة بسبب التحولات لشاغلي المناصب، تحديات حوكمة مشتركة بين العديد من الدول النامية.

ولا ينبغي قياس فعالية نظام إدارة شؤون الموظفين فقط من خلال ما إذا كانت إجراءات الاختيار والتعيين منظمة بشكل صحيح، ولكن الأهم من ذلك، ينبغي الحكم عليه من خلال قدرته على تحديد المواهب ورعايتها باستمرار، وتحويل القدرات الفردية إلى قوة مؤسسية، وضمان ممارسة السلطة العامة بمسؤولية تحت إشراف فعال. وفي نهاية المطاف، ينبغي أن تخدم هذه الجهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل للبلاد.

لا ينبغي أن يبدأ مشروع عام يستغرق عشر سنوات لتحقيق النتائج من الصفر لمجرد تغيير في شاغلي المناصب. وبالنسبة لأي دولة ملتزمة بالتحديث، يمثل ضمان دعم أهداف التنمية طويلة الأجل بآليات تنفيذ مستقرة والوفاء بالمسؤوليات العامة باستمرار في حد ذاته قدرة مؤسسية مهمة ونادرة في كثير من الأحيان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى