الأمنالمجتمعبحوثدوليرأيليبياورقات بحثية

ليبيا والتحول الاستراتيجي: حتمية التغيير وسقوط أدوات تدوير الأزمة.

 

9 سبتمبر 2026

بقلم د.ن

يمثل المشهد الليبي الراهن منعطفاً تاريخياً وحرجاً يتجاوز في جوهره التعديلات السطحية أو تبديل الوجوه وإعادة توزيع المناصب والنفوذ ليطرح إشكاليات التغيير الاستراتيجي المعقد الذي تتداخل في مخرجاته ومساراته المصالح الدولية والإقليمية والمحلية.

إن هذا التحول المنشود لا ينفصل عن إعادة هندسة التحالفات وموازين القوى وترتيب الأولويات الحاكمة للملف الليبي مما يضع القوى السياسية أمام استحقاقات هيكلية عميقة تهدد بإخراج الأطراف التي عجزت عن مواكبة هذه الديناميكيات الجديدة من دائرة التأثير الفعلي.

ومن خلال ذلك. تبرز ردود الفعل الدفاعية من قبل النخب والأطراف المتضررة التي تستشعر خطر الإقصاء خارج المعادلة السياسية المقبلة وتتجلى استراتيجيات هذه الأطراف في محاولات متعمدة لخلط الأوراق (وإرباك المشهد العام) وافتعال الأزمات وتأجيج الشارع عبر استدعاء الصراعات القديمة بأغطية وشعارات جديدة وهو سلوك تتلاقى فيه المصالح المحلية مع أجندات إقليمية ودولية متوجسة من فقدان مكاسبها التي راكمتها خلال سنوات الفوضى والانقسام.

ولتحقيق هذه الغايات يلجأ باستمرار إلى السلاح السياسي الأكثر استهلاكاً والمتمثل في (السيادة الانتقائية) حيث يرفع لواء الوطنية ورفض التدخل الخارجي بازدواجية واضحة فيقدس عندما تتعارض التحولات الدولية مع المصالح الضيقة ويقابل بالتغاضي حين يوظف لاستقواء تلك الأطراف بالخارج لحماية مواقعها مما يمثل استغلالاً مباشراً لمشاعر الناس وعواطفهم كأداة في معارك النفوذ.

ويرافق هذه التكتيكات خطر استباقي يتمثل في إقحام المواطن البسيط في صراعات استراتيجية تفوق إدراكه وتتجاوز مصالحه المعيشية واليومية وتحويله إلى أداة ضغط ومحرك بشري في معارك غامضة الأطراف والنتائج.

إلا أن التحليل يشير بوضوح إلى أن الرهان على تعطيل مسار التغيير عبر إثارة الشارع واستخدام ورقة السيادة الانتقائية سيصطدم ردود فعل غير متوقعة تفوق الحسابات التقليدية للمناكفة السياسية لا سيما أن طبيعة هذه المرحلة تتجاوز آليات المساومات والمقايضات وتقاسم المناصب التي طبعت السنوات الماضية وبات تعطيل مسار التحول أمراً متعذراً مقارنة بالسابق.

وعليه… يغدو التغيير الاستراتيجي ضرورة حتمية تفرضها تكريس الفشل وتكرار المشاريع الركيكة والخطابات المتهالكة التي أثبتت عجزها التاريخي عن بناء الدولة. إن تكلفة الوجع الإنساني والاقتصادي الذي تكبده الليبيون تسقط أي مشروعية لاستمرار إدارة الأزمة بنفس المنهجيات العتيقة.

ومن ثم فإن المطلوب يتجاوز الأشخاص إلى تغيير بنيوي جذري يطال فلسفة إدارة الدولة وتأسيس قواعد دستورية وقانونية تحمي الحقوق وإبرام توافقات وطنية حقيقية تقطع الطريق أمام تدوير الأزمات بغض النظر عن كون بعض المشاريع الدولية قد تواجه تحديات في بدايتها إذ يظل استمرار الفشل الخيار الأسوأ والأكثر كلفة.

خلاصة:

يخلص التقرير إلى أن ليبيا تقف على عتبة مرحلة انتقالية كبرى تتسم بتغيرات عميقة في هندسة التحالفات وتوزيع النفوذ حيث تفقد الأدوات التقليدية وقدرتها على ضبط إيقاع الصراع.

  1. وإن محاولات القوى المستفيدة من الوضع الراهن مقاومة هذا التحول عبر إثارة الفوضى المفتعلة وخلط الأوراق سياسياً وشعبياً لن تفلح في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

بل يرجح أن تكون تلك المحاولات هي العامل المعجل بانكشاف تلك الأطراف وخروجها النهائي من المشهد.

وفي ظل هذه المعطيات يتحتم التخلي عن سياسات تدوير الفشل لصالح تأسيس بنية مؤسسية صلبة ووطنية قادرة على إنهاء الأزمة باعتبار أن استيعاب حجم وحتمية هذا التحول الاستراتيجي يشكل المرتكز الأساسي لأي مقاربة ناجحة ومستدامة لمستقبل الدولة الليبية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى