شيآن… المدينة التي لم أغادرها

الصين -بكين
بقلم لبنى يونس
على رصيف محطة الشحن عام 2019 كانت الحاويات تصطفّ كأنها كتبٌ مغلقة، والرافعات العملاقة تنقلها بهدوء من يدٍ إلى يد. وقفتُ بين حديدٍ بارد وضجيجٍ منظّم، فلم أرَ بضاعة. رأيتُ قافلةً قديمة غيّرت جلدها وأبقت روحها. كان الجمل قد غادر المشهد منذ قرون، لكن الطريق لم يغادر. ما تلك المدينة التي يخرج منها القطار إلى آسيا الوسطى وأوروبا، ويخرج معها تاريخٌ لم يُغلق دفتره؟ وكيف تحمل عاصمةٌ سُمّيت السلام الدائم كل هذا الصخب الحديث دون أن تفقد سكينتها؟
ثم جئتُ إلى الجنود الطينيين، فذُهلت. توقعتُ تمثالاً وجدتُ جيشاً. توقعتُ تاريخاً في كتاب وجدتُه واقفاً أمامي بالصفوف والوجوه. يقول الأثريون إن عددهم يقارب ثمانية آلاف، لكن الرقم لا يصف ما رأيت. لكل جندي ملامحه وهيئته وتسريحته، وكأن النحّات لم يُرِد جيشاً مجهولاً بل أراد أن يحفظ كل واحدٍ بإسمه. اكتشفه فلاحون كانوا يحفرون بئراً سنة 1974، فبحثوا عن ماء فخرج لهم إمبراطور بجيشه من تحت الأرض. وقفتُ أتساءل، أي يدٍ نحتت هذه العيون؟ وأي ضميرٍ في صانعٍ مجهول جعله يتقن وجهاً لن يراه أحد؟ وكم من الحضارات دفنت ما لا يُرى، ثم ندمت أنها لم تُتقن؟
وفي الحي المسلم خلعتُ عني الغربة. الأزقة الضيقة تفوح منها رائحة الخبز والتوابل، والمسجد القديم يرتّب لك الدخول إليه بساحاتٍ متتالية كأنها أنفاس طويلة، وتشعر أن الصين التي تعرفها ليست الصين التي ينقلها إليك الإعلام. تقول الروايات المتداولة إن أصل المسجد يعود إلى القرن الثامن، وإن كان بناؤه القائم من عهدٍ لاحق. غير أن الحجر لا يهتم بجدل المؤرخين. هو شاهدٌ على أن مسلمين جاؤوا من بعيد، فاستقروا وصاروا جزءاً من النسيج، ولم يتخلّوا عن أنفسهم. لم يكن في الأمر ذوبانٌ ولا عزلة. كان تعايشاً سبق مصطلحات التعايش بقرون. ثم جاء المساء، فصعدتُ إلى برج الجرس، وعند أقدامه أضاءت المدينة نفسها. كان البرج يلمع بألوانه العتيقة، والأضواء تنعكس على قرميده، والناس يمرّون حوله دورةً بعد دورة كأن الزمن عندهم عقاربُ مختلفة. تأملتُ جماله طويلاً، وقد غدا الليل صفحةً صافية، وفي رأسي أسئلة كثيرة لا أمل فيها بإجابة.
وهناك، قرب ذلك البرج، حدث ما لم أخطط له. لم أتخذ قراراً بالمعنى المعتاد. وجدتُ القرار قد اتخذني. قلتُ في نفسي، هذه المدينة ستكون بدايتي الجديدة. لن تكون ذكرى أحتفظ بها لنفسي، بل مهمةً أحملها لأنقل ما رأيت. كنت أعرف أن من يرى لا يملك أن يصمت، وأن من يفهم يُسأل، لماذا فهمتَ؟ ولمن؟
ومنذ تلك الليلة لم أعد أنظر إلى الصين كما كنت. أصبحتُ أراها طريقاً لا بلداً، وذاكرةً لا جغرافيا.
فهل نكتفي بأن نسمع عن هذا الطريق، أم نمشي فيه؟ وهل تعيدنا الحضارات القديمة إلى أسلافنا، أم تعلّمنا كيف نصير أسلافاً جديرين بالذكر؟ ومن أين نبدأ نحن، في ليبيا وأفريقيا، حكايتنا مع طريقٍ بدأ هناك، ولم ينتهِ بعد؟



